بُحّت الأصوات وتآكلت الأقلام وهي تنادي بضرورة توثيق ملحمة حرب أكتوبر وحرب الاستنزاف في أعمال سينمائية جادة وتاريخية. وعلى الرغم من تعاقب العقود، وتبدّل الأنظمة، وتوالي الثورات بين قيام ونوم على أمل أن يتعدل المائل، لا يزال المشهد الثقافي والفني يتراجع أمام هذا الواجب القومي، وكأن هناك قراراً غير مكتوب بإبقاء الذاكرة الوطنية في حالة صيام سينمائي دائم.
إن النزيف الحقيقي الذي يواجهه الوعي المصري اليوم هو نزيف الوقت. في صدور أبطالنا — ممن شهدوا تلك السنوات العجاف ثم أشرقت عليهم شمس النصر — خزانة لا تنتهى من التفاصيل والبطولات الفردية والجماعية التي تتجاوز في روعتها وإبداعها أعتى سيناريوهات هوليوود. هذه التفاصيل ليست مجرد ذكريات شخصية، بل هي ملكية عامة للتاريخ المصري. ومع كل بطل يرحل عن عالمنا، نَفقد مجاناً فصلاً كاملاً من كتاب العزة المصرية، ندفن معه رصيداً نادراً من المجد لا يملكه شعب آخر في المنطقة.
ولا يمكن قراءة هذا العجز المستمر بمعزل عن التسييس والعرقلة.. فالخطوات التي جرى تدشينها سابقاً لتنفيذ مشروع قومي لتوثيق البطولة لم تتوقف هكذا مصادفة، بل اصطدمت بكوابح ناعمة ومحاولات إجهاض تمارسها قوى ومصالح تستكثر على هذا الشعب أن يخلّد معركته ضد الكيان الصهيوني.
لقد نجح هذا النفوذ السلبي في تعطيل بوادر المشاريع الضخمة، لتبقى الرؤية محبوسة في "مربع التمنيات"، ونكتفي كل عام بإعادة عرض ذات الأفلام التقليدية التي صُنعت بجميع إمكانيات مرحلتها ولا تلبي طموح الأجيال الحديثة.
إن خطورة هذا التقاعس لا تتوقف عند حدود الفن، بل تمتد لتصيب صناعة الوعي في مقتل. فتوثيق البطولات المصرية ليس مجرد استدعاء للماضي أو بكاء على الأطلال، بل هو رسالة استراتيجية ممتدة للأجيال الجديدة تقول لهم أن هذا الشعب معجون بصلابة تنتج الأبطال وتقدم الشهداء كقاعدة تاريخية أصيلة.
أما ظهور اللصوص، والسماسرة، والفاسدين في بعض المراحل، فما هو إلا حالة طارئة وعارض صحي مؤقت، يشبه المرض الذي يصيب الجسد القوي؛ يمرضه حيناً، لكنه سرعان ما يزول بعوامل الشفاء الذاتية لتسترد الدولة عافيتها وصحتها الكاملة.
إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة ذاكرة؛ فإما أن نكتب تاريخنا بأيدينا ونجسده على الشاشات ليراه الأبناء، أو نترك الساحة لمن يشوه النصر أو يمسحه من أذهان الجيل الجديد. لقد حان الوقت لينتقل ملف التوثيق السينمائي لحرب أكتوبر من خانة "المطالبات الفردية" إلى خانة "القرار السيادي"، قبل أن يرحل آخر شاهد على المعجزة.