رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور أبو بكر الجندي يكتب عن: قوة الحفظ والذاكرة

من عجائب الحُفَّاظ ما يُروى أن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ كان إذا نظر في كتاب وضع يده فوق السطور التي تلي السطر الذي يقرؤه؛ خوفًا من أن تمر عليها عينه فتعلق بذهنه، فإنه ما كان ينظر شيئًا إلا حفظه.
ومن الحفظ المدهش، وفلتات بعض العقول الموهوبة، ما جاء عن الإمام البخاري أنه كان يذهب إلى مجالس الحديث في بغداد وهو غلام صغير مع أقرانه، فكانوا يكتبون الحديث بينما هو لا يكتب شيئاً، وبعد فترة أرادوا أن يختبروا حفظه ، ومقارنته بما كتبوه، فأخرجوا ما كان عندهم، فجعل يقرأ عليهم الأحاديثهم من حفظه، وجعلوا يصححون كتابتهم من حفظه.
ولما أُحرقت كتب الإمام ابن حزم تصبر على مصابه وتسلى على بلائه، بحفظه القوي فقال:
إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي   تضمَّنه القرطاس إذ هو في صدري
يسير معي حيث استقـلت ركائبي     وينزل إن أنزل ويُدفن في قبري
فقوة الذاكرة وجودة الحفظ هبة من الله تعالى على بعض الأطفال النجباء، فإذا اهتمت الأسرة بمثل هذا النوع من الأطفال وعملت على تقوية حفظ طفلهم وتنمية عقله أثمر ذلك خيرًا كثيرًا له ولأسرته ولأمته.
وأكثر العقول لم يقدر لها أن تكون بهذه النباهة، وع ذلك نفعوا أمتهم نفًا عظيمًا؛ لأنه لم يفرض عليهم أن يحفظوا كل شئٍ ولكن وضع النبي صلى الله عليه وسلم لضبط المراد حفظه، فقال: "احرص على ما ينفعك"، فليحدد الإنسان ما ينفعه وما يفيده في الدنيا أو الآخرة، أو ما هو واجب عليه للتفوق الدراسي، والتقدم العلمي، فيحفظ منه ما يؤدي به واجبه، ويبدأ بالأهم فالمهم، ومما يعين على تنشيط الذاكرة وتقوية الحفظ ما يلي:
ـ الاهتمام فكل مَن اهتم بشئٍ وأحبه سهل عليه حفظه، حتى إنك لتعجب من بعض الفلاحين الأميين الذي يحفظ كثيرًا من أسماء المبيدات الحشرية التي تحمي النباتات والمحاصيل الزراعية، وهي بلغات أجنبية، ـ أن الحفظ ملكة تقوى مع كثرة المحفوظات، والذاكرة كأي عضو ينموا بالاهتمام ويضعف بالإهمال، قال الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد: "وأي عضو كثرت رياضته قوي، فإن من استكثر من الحفظ، قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر، قويت قُوته الْمُفَكِّرَةُ، ولكل عضو رياضة تخصه".
ـ المنافسة في الحفظ مع الأصحاب والزملاء، وقد تم استغلال هذه الطاقة التنافسية في مشروع يحي اليحي لحفظ السنة النبوية بالمسجد الحرام، فيجلس الحفاظ أمام بعض ـ وبعضهم قد بلغ من العُمر خمسين سنة ـ فيحفظ في اليوم الواحد مائة حديث، بسبب هذا الغَيرة الحميدة.
ـ المراجعة المستمرة وتكرار المحفوظ من لحين إلى الحين، مع شرحه وتعليمه للغير.
ـ كسر الروتين الممل ومحاولة تغيير النمط المعتاد وكتابة باليد اليسرى مثلًا شيئًا مهمًا لا يريد أن ينساه الإنسان.
ـ الاعتدال في الطعام والشراب، واختيار الوقت المناسب للمذاكرة والمراجعة لا سيما بعد النوم الجيد.
ـ الفهم ثم الفهم ثم الفهم فهو من أحسن ما ييسر على الإنسان الحفظ فقد ذكر البدر العيني في عقد الجمان عن  الملك عيسى سلطان الشام أنه قد حفظ كتاب التذكرة في المذهب الحنفي وهو عشرة مجلدات، وكان لا يفارقه سفرًا ولا حضرًا، ويديم مطالعته، فقيل له يومًا: أنت مشغول بتدبير الملك، فكيف يتيسر لك حفظ هذا المقدار؟ فقال: كيف الاعتبار بالألفاظ؟ وإنما الاعتبار بالمعاني، باسم الله سلوني عن جميع مسائلها، فقد تحفظ البرامج الإلكترونية أكثر من الإنسان، ولكن لا تفهم ولا تعي ما يفهمه الإنسان.