رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

حسام فوزي جبر يكتب زفتى التي لا نعرفها..

حين تصبح الفوضى أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة شارع

في تمام الثالثة عصرًا، وهو موعد غير مألوف، قررت أتجول على قدمي في شوارع جمهورية زفتى، المدينة التي حملت يومًا حلمًا وطنيًا أكبر من حدودها، ووقفت في وجه الاحتلال الإنجليزي عام 1919، وأعلنت جمهوريتها رمزًا للإرادة والكرامة، لكن جولتي هذه المرة لم تكن رحلة في التاريخ، بل مواجهة مع واقع يفرض نفسه بقسوة، زحام خانق، وأتربة وقمامة، وتوك توك يندفع بلا حساب، وسرفيس لا يرى في الراكب سوى فرصة لمزيد من المكسب، ومتسولون يطاردون المارة، ودراجات نارية وسكوتر بأصوات صاخبة وسرعات لا تعرف معنى الحذر، أرصفة استولى عليها أصحاب المصالح، وحرم الشارع صار مساحة مستباحة، ومراكز دروس تبتلع هدوء الأحياء، وألفاظ نابية تتردد على ألسنة فتيان وفتيات، في مشهد يثير الحزن قبل الغضب، والأسوء أن كل ذلك أصبح مألوفًا إلى درجة مخيفة فاعتدنا أن نتذمر، ثم نمضي نغضب قليلًا، ثم نتكيف مع الفوضى وكأنها قدر لا فكاك منه ولكن ما استوقفني هذه المرة أن الأزمة لم تعد مجرد شارع مزدحم يحتاج إلى حملة نظافة، أو إشغالات تحتاج إلى رفع، أو مركبة مخالفة تحتاج إلى ضبط نحن أمام سؤال أعمق: ماذا يحدث لنا؟ وماذا يحدث لأبنائنا؟

حين تمتد الأزمة إلى ما هو أغلى من الشارع

أخشى أن تكون الفوضى التي نراها بأعيننا مجرد الوجه الظاهر لأزمة أكبر، أزمة تمتد إلى السلوك والذوق واحترام الآخر، وإلى قدرتنا على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين الجرأة وقلة الأدب، وبين الحق في الاختلاف والاعتداء على حقوق الناس، ما يؤلمني ليس أن شابًا يقود دراجته بسرعة جنونية فحسب، بل أن حياته وحياة الآخرين لم تعد حاضرة في حساباته وليس أن أحدهم يحتل الرصيف، بل أنه يتصرف وكأن حقه يعلو على حق الجميع وليس أن ألفاظًا جارحة تتردد في الشارع، بل أن بعضنا بات يتعامل معها باعتبارها أمرًا عاديًا لا يستحق حتى الاعتراض، وهنا تصبح المسألة أخطر من مخالفة مرورية أو إشغال طريق بل إنها تراجع في معنى المسؤولية، وفي الإحساس بأننا نعيش معًا، وأن حريتنا لا تبدأ من إلغاء حرية الآخرين.

أين الأسرة من كل هذا؟

أنا لا أكتب لألقي اللوم على جيل كامل، ولا لأحاكم أبناءنا من فوق منصة الواعظ فهؤلاء أبناؤنا، وصورتهم في الشارع ليست منفصلة عن صورتنا داخل البيوت وإذا كنا نرى سلوكًا يقلقنا، فعلينا أن نسأل أنفسنا أولًا: ماذا قدمنا لهم؟ وماذا تركنا لهم؟ ومن الذي يشاركنا في تشكيل عقولهم ووجدانهم كل يوم؟ هل تراجع دور الأسرة تحت ضغط الحياة والعمل ومصاريف المعيشة؟ هل انشغل الأب بتوفير احتياجات البيت حتى لم يعد يجد وقتًا للحوار؟ وهل تحملت الأم وحدها أعباء التربية، أم أن الجميع ترك المهمة للمدرسة والشارع والهاتف المحمول؟ ثم أين القدوة؟ كيف نطلب من أبنائنا احترام القانون وهم يرون الكبار يتحايلون عليه؟ وكيف نطالبهم باحترام الآخرين بينما يشاهدون نماذج لا تحترم دورًا في طابور، ولا حقًا في الطريق، ولا خصوصية لجار؟ التربية ليست محاضرة نلقيها على الأبناء، بل سلوك يرونه ويتعلمونه منا، حتى حين نظن أنهم لا يراقبوننا.

هل تركنا أبناءنا لشاشات لا تعرف الرحمة؟

لا يمكن أن نتجاهل أثر مواقع التواصل الاجتماعي وما تعرضه بعض المنصات من محتوى يختزل الشهرة في الصخب، والنجاح في الاستعراض، والقبول في جذب الانتباه بأي ثمن ولكن الخطأ أن نجعل السوشيال ميديا شماعة نعلق عليها كل أزماتنا، أو أن نعتبر كل فنان أو صانع محتوى مسؤولًا عن تراجع السلوك فالمشكلة تبدأ حين نترك أبناءنا أمام عالم مفتوح بلا حوار أو توجيه أو رقابة واعية، ثم نفاجأ بأنهم يتأثرون بما يرونه، تبدأ حين نمنعهم من الحديث معنا، ثم نلومهم لأنهم وجدوا من يستمع إليهم على شاشة، وتكبر حين نطالبهم بالالتزام بقيم لا نمارسها أمامهم، نحن لسنا بحاجة إلى حرب على التكنولوجيا، بل إلى استعادة دورنا في توجيه استخدامها، وإلى تقديم نماذج حقيقية تستحق أن يقتدي بها أبناؤنا، بدلًا من تركهم وحدهم في سباق محموم وراء المشاهدات والإعجابات.

زفتى لا تحتاج إلى الغضب وحده

نعم، تحتاج شوارع زفتى إلى انضباط حقيقي، وإلى مواجهة إشغالات الأرصفة، وتنظيم حركة التوك توك والسرفيس، ومحاسبة القيادة المتهورة، والتعامل مع مراكز الدروس التي تخالف القانون وتحوّل الأحياء السكنية إلى بؤر للضجيج والزحام تحتاج إلى نظافة مستمرة، ورقابة لا تظهر يومًا وتختفي أسابيع، وقانون يطبق على الجميع بلا استثناء، ولكن وبكل أمانة الإجراءات التنفيذية وحدها لن تصنع مجتمعًا متماسكًا إذا لم يصاحبها عمل جاد من الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، لا يكفي أن نرفع إشغالًا من الرصيف إذا كنا نترك في عقول أبنائنا فكرة أن حق الآخرين يمكن تجاوزه ولا يكفي أن نحرر مخالفة لسائق متهور إذا كنا لا نغرس في نفوس الصغار أن حياة الإنسان ليست لعبة، فالمطلوب ليس حملة موسمية، بل استعادة تدريجية لاحترام الشارع باعتباره ملكًا للجميع، وإحياء معنى المسؤولية المشتركة، وإعادة الاعتبار للتربية والقدوة والحوار، مع تطبيق القانون بحزم وعدالة.

قبل أن نخسر ما لا يمكن تعويضه

جمهورية زفتى التي نعتز بتاريخها لم تصنع مكانتها بالشعارات، وإنما برجال ونساء أدركوا أن الكرامة مسؤولية، وأن الوطن لا يحميه الكلام وحده، ومن حقنا أن نغضب على ما وصلت إليه شوارعنا، لكن الغضب الحقيقي يجب أن يتحول إلى فعل، لا إلى منشور عابر ينتهي بمجرد إغلاق الهاتف، وهنا أكتب لأنني أخشى أن نعتاد ما لا ينبغي الاعتياد عليه، وأن نبرر ما لا يجوز تبريره، وأن نستيقظ يومًا فنكتشف أننا انشغلنا بإصلاح الشوارع وتركنا الإنسان الذي يسير فيها بلا رعاية أو توجيه، أبناؤنا ليسوا خصومنا، وليسوا جيلًا ضائعًا بطبيعته بل هم مسؤوليتنا جميعًا، وما نراه منهم اليوم يستحق أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا قبل إصدار الأحكام عليهم، والسؤال لم يعد: لماذا تغير الشارع؟ بل: ماذا فعلنا نحن حتى وصل إلى ما نراه؟ ومتى نبدأ في إصلاح ما يمكن إصلاحه، قبل أن تتحول الفوضى من مشهد نشتكي منه إلى أسلوب حياة نتوارثه؟

زفتى تستحق أفضل من هذا، وأبناؤنا يستحقون أفضل من هذا، ونحن جميعًا مدينون لهذه المدينة بأن نعيد إليها شيئًا من النظام والاحترام والذوق العام فالأوطان لا تضيع فجأة، ولا تنهض بقرار واحد، إنها تتراجع حين نتنازل كل يوم عن قيمة صغيرة، وتستعيد عافيتها حين يقرر كل واحد منا ألا يكون جزءًا من المشكلة، بكل أسف زفتي مجرد نموذج لتلك الردة الأخلاقية المميتة التي طالما تحدثت عنها وعن أنها اصابتنا في أعز ما نملك أبنائنا وفلذات أكبادنا نعم أنه الإنحدار الأخلاقي القاتل للمجتمعات والذي يجب علينا شن الحروب ضده.