منح الله تعالى العقول مساحة واسعة لتتدبر وتتفكر ثم تقبل الأفكار بعد الفهم والاقتناع، أو ترفضها بعد عدم الاستيعاب والإدراك، حتى يطمئن القلب في إقباله وإدباره، وعكس ذلك هو الإكراه على الفعل أو الترك والذي يتنافى مع حرية الإنسان التي منحها الله تعالى له، ومن ينظر في السيرة النبوية يجد التربية العملية على احترام الرأي وعدم الإكراه على شئٍ، ومن ذلك:
ـ في معركة أحد، يُقَدِّر النبي صلى الله عليه وسلم رأي الشباب وينزل على رغبتهم، ويخرج لصد عدوان المشركين خارج المدينة المنورة، ولا يكرههم على رأيٍ لم يقتنعوا به، وهو صلى الله عليه وسلم أصوب الناس رأيًا وأرجح الناس عقلًا.
ـ حتى الصغار والأطفال لا يرغمهم النبي صلى الله عليه وسلم على شئٍ، فقد أُتِي صلى الله عليه وسلم بإناء فيه لبن، فشرب، وعن يمينه غلام صغير، والأشياخ عن يساره، قال: "يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ"، فقال الغلام: ما كنت لأوثر بنصيبي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه، فاحترام رأي الصبي الصغير تنمية لعقله وفكره وتقوية لشخصيته، بخلاف الاستخفاف برأيه دومًا، ففي هذا إماتة لعقله وقتل لآدميته.
ـ كذلك الفتيات لا تُكره على الزواج أو غيره حتى تقبل وترضى، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فجعل الأمر إليها، قالت الفتاة عندئذٍ: "فإني قد أَجَزْتُ ما صنع أبي، ولكن أردت أن تَعْلَمَ النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء".
ـ أن الدِّين نفسَه لا إكراه فيه، كما قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}[البقرة: 256]، والنفي هنا بمعنى النهي، أي: لا تكرهوا أحداً على دخول هذا الدين؛ لأنه دين يخاطب العقول والقلوب والفطر {بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ}[النحل: 125]، فالإسلام دين عزيز، ولعزته وجلال مكانته لا يُفرَض على الناس، وإنما يُعْرَض عرضًا حسنًا، فهو غني عن إكراه أحدٍ على دخوله، وهذا كمن يأتي الناس بأشهي الطعام فهو لا يُكره الناس عليه؛ لأن الناس يحبونه بفطرتهم، وإذا تذوَّق الإنسانُ طعم الإيمان، وخالطت بشاشته قلوبهم فإنهم لا يتركونه أبدًا، بل يكره أن يرتدَّ عنه كما يكره أن يقذف في النار، وقد افترى أقوام على الإسلام حينما قالوا إنه انتشر بالسيف؛ لأن السيف يسوق الأجسام فقط، ولا سلطان له على الأفكار والمعتقدات {قَدْ تَبَيَّنَ} وتميَّز {الرُّشْدُ} الحق {مِنَ الْغَيِّ} وهو الباطل كتميز الليل من النها ر والشمس من القمر {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].
ـ يمنع الشرع الحنيف من استغلال أموال الزكاة لمساومة غير المسلمين على الإسلام, فالإسلام أرفع وأجل شأناً عن مثل هذه السلوكيات, فعن ابن عباس: " كان ناس لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدونهم على الإسلام، فنزلت: { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272]".
وقد عرض هارون الرشيد على الإمام مالك أن يعلَّق كتابه الموطأ في الكعبة، وأن يكون مذهبه قانونًا عامًا للناس، فرفض الإمام رحمه الله، وقال له: "لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان"، فلا يلزم الناس شيئًا إلا بما ألزمهم به رب العالمين من السنن الكونية والأحكام الشرعية التي لا خلاف عليها، أما الخلافيات فستظل خلافيات، فلتتسع صدورنا للمخالفين، ولا نُحْزِنُ أحدًا بحجب رأيه ولا نُغْضِبُ أحدًا بالحجر على عقله، ولا نسخر من فكر أحدٍ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ...}[الحجرات: 11].