في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم،... وقال الثالث: "اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، ثم قال: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون".
ولقد ضرب الفقراء في العهد النبوي أروع الأمثلة في العفة وصون النفس عن أموال الناس، حيث وصفهم القرآن الكريم بقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}[البقرة: 273].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُربِّي أصحابه على عزَّة النفس والرِّفعة والاستغناء عن الناس، وعدم طلب الحوائج من أحد، حتى إنه بايع بعض أصحابه على الاستغناء عن الناس، وأن لا يسألوا الناس شيئًا، حتى أنه يسقط سَوطَ أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه.
وقال ثوبان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسأل الناس شيئًا، قال: فكان ثوبان يقع سَوطُه وهو راكب، فلا يقول لأحد: ناوِلْنِيهِ، حتى ينزل فيأخذه".
وفي فضل أهل العفة يقول - صلى الله عليه وسلم -: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال"، فهو ذو عيال وعلى عاتقه مسؤليات كثيرة، ومع ذلك يحفظ ماء وجهه، ولا يسأل الناس شيئًا، وهؤلاء الصنف من البشر أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتفطن لهم، وإعطائهم من غير سؤال، فقال: "ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس".
وهذا الخلق النبيل هو وصية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له: "واعلم أن شرفَ المؤمن قيامُ الليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس".
أما الطمع في مال الغير فقد قال صلى الله عليه وسلم في خطره: "لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة، إلا فتح الله عليه بابَ فَقْرٍ، ولأن يأخذ الرجل حبله فيعمِد إلى الجبل، فيحتطب على ظهره فيأكل به، خير له من أن يسأل الناس معطًى أو ممنوعًا".
وفي مهانتهم يقول صلى الله عليه وسلم كذلك: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَة لحم", فذابت جلودهم لما أذابوا كرامتهم.
وأخيرًا من العفة: عفة اللسان عن الغيبة، والنميمة، والقذف واستهزاء وسخرية وطعن في أعراض الناس وعن فحش القول وزوره، فالله تعالى اخبرنا انه سيحاسبنا عن أقوالنا كما سيحاسبنا عن أفعالنا من خير أو شر، فلينتبه الإنسان إلى ما يخرج من فمه، فإن الملائكة تحصي عليه كل كلامه.