شهدت القارة القطبية الجنوبية تحولًا مفاجئًا في مستويات جليد البحر، حيث سجلت أدنى مستوياتها الشتوية منذ بدء الرصد بالأقمار الصناعية عام 1979، وأكدت بيانات المركز الوطني لبيانات الثلوج والجليد (NSIDC) بووكالة ناسا أن الحد الأقصى لجليد البحر في سبتمبر 2026 بلغ 17.59 مليون كيلومتر مربع فقط، ليصبح ثالث أدنى مستوى مسجل على الإطلاق.
هذا الانخفاض الحاد يمثل انعكاسًا للاتجاه السابق، إذ كانت مساحة الجليد في القارة الجنوبية في تزايد بطيء بين عامي 1979 و2014، قبل أن تبدأ في التراجع بشكل ملحوظ منذ عام 2016، ويرى العلماء أن العوامل وراء هذا التراجع تشمل ارتفاع حرارة المحيطات، وتغير أنماط الرياح، وزيادة تدفق ما يُعرف بـ"أنهار الغلاف الجوي" التي تجلب الهواء الدافئ والرطب من المناطق المدارية.
يحذر الباحثون من أن فقدان الجليد البحري لا يقتصر أثره على القارة القطبية الجنوبية وحدها، بل يمتد إلى النظام المناخي العالمي، فالجليد يعمل كمرآة تعكس أشعة الشمس وتساعد في تبريد الكوكب، ومع تراجعه يزداد امتصاص المحيطات للحرارة، مما يسرّع وتيرة الاحترار العالمي ، كما يهدد التراجع النظم البيئية البحرية التي تعتمد على الجليد في التكاثر والتغذية ، ورغم أن ذوبان الجليد البحري لا يرفع مستويات البحار مباشرة، إلا أنه يعرّض الأنهار الجليدية والرفوف الجليدية للمياه الدافئة، مما يزيد من خطر انهيارها ويسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر.
يكثف العلماء جهود المراقبة باستخدام أقمار صناعية مثل ICESat 2 التابعة لناسا وCryoSat 2 التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، لتتبع التغيرات في سمك الجليد وحجمه ، ويؤكدون أن استمرار هذا الاتجاه قد يضعف دور القارة القطبية الجنوبية كمنظّم رئيسي لمناخ الأرض، مما يزيد من احتمالات الاحترار العالمي والظواهر الجوية المتطرفة ، وهذا الانعكاس المفاجئ في نمو جليد البحر يُعد إنذارًا صارخًا على هشاشة التوازن المناخي للكوكب وسرعة تغيّره.