ما حدث في مولد السيد البدوي هذا العام يستحق وقفة جادة بعيدًا عن المزايدات الدينية والتخوين والتراشق بين فريق يرى أن كل ما يحدث مظهر من مظاهر المحبة، وفريق آخر يشعر بالأسى مما يراه من مشاهد لا تليق بمقام المناسبة ولا بما يُفترض أن تحمله من معانٍ روحية، فالسؤال ببساطة: ما الذي يمنعنا من محبة آل البيت وتقدير الصالحين والاقتداء بأخلاقهم، من دون أن تتحول هذه المحبة إلى دفاع أعمى عن كل مشهد أو ممارسة تُنسب إليهم؟، فلسنا مطالبين بأن نقبل كل شيء حتى نثبت محبتنا ولا بأن نصمت عن الخطأ حتى لا نتهم بالتشدد أو الإساءة إلى المريدين فمحبة آل البيت قيمة عظيمة قد أُمرنا بها لكن تحويلها إلى حصانة تمنع النقد والمراجعة أمر يحتاج إلى إعادة نظر.
المشكلة ليست في أن يزور الناس مقامًا -رغم رفضي وإعتراضي علي المقام نفسه فأين هؤلاء من صحابة النبي- أو يتذكروا سيرة رجل صالح، أو يجتمعوا على الذكر والمديح والإنشاد الديني المشكلة تبدأ عندما تتراجع المعاني التي يفترض أن تكون جوهر المناسبة، وتتصدر مشاهد الرقص والطبل والزمر والمبالغات والدجل التي تثير تساؤلات مشروعة حول حدود الاحتفال ومدى اتساقه مع القيم الدينية والأخلاقية التي يعلن أصحاب هذه المناسبات التمسك بها، وهنا يجب أن نكون منصفين فلا يجوز اختزال كل من حضر المولد في هذه المشاهد ولا يصح أن نحكم على آلاف الناس من تصرفات بعضهم هؤلاء أهلنا وإخوتنا وبينهم من جاء محبةً وتعلقًا بسيرة الصالحين ومن جاء طلبًا للذكر والسكينة ومن جاء بحكم العادة الاجتماعية لكن احترام الناس لا يعني أن نمنح كل ممارسة يقوم بها بعضهم صكًا بالقبول.
وهناك فرق واضح بين محبة الولي واعتقاد أن النفع والضر بيد الله وحده، وبين ممارسات تحتاج إلى سؤال ومراجعة.
فالله سبحانه وتعالى هو مالك النفع والضر، وهو وحده المستحق للعبادة والدعاء والتوسل يكون له وحده سبحانه أما زيارة القبور وتذكر الموتى والدعاء لله عندها، فهي مسائل لها أحكامها وتفصيلاتها عند العلماء والتوسل بالصالحين من المسائل التي وقع فيها خلاف معروف بين أهل العلم والجمهور حرمها، ولذلك لا يصح أن نحول الخلاف فيها إلى اتهامات متبادلة أو أحكام عامة على عقائد الناس، لكن من حقنا أن نسأل: هل كل ما يُمارس داخل الموالد له أصل ديني؟ وهل كل ما يجري باسم المحبة ينسجم بالضرورة مع الأخلاق والآداب العامة؟ وهل يصبح النقد ممنوعًا لمجرد أن المناسبة مرتبطة باسم رجل يحظى بمحبة قطاع واسع من الناس؟ وبالطبع هذه أسئلة لا ينبغي أن يخاف منها أحد، ولا أن يواجهها بالصوت المرتفع أو الاتهام في النيات وأكررها أن حب أهل البيت عبادة ولكن مظاهر الشرك هذه كبيرة من الكبائر أخشي أن أوافق عليها فُبكتب لي ذنب من قام بهذه الأفعال التي أشهد الله ثم أشهدكم أني أبرأ إليه سبحانه منها.
إن تقدير الأولياء والصالحين، إن كان المقصود منه الاقتداء بهم فينبغي أن يقودنا إلى الصدق والأمانة والتواضع وحسن المعاملة لا إلى التعصب للمظاهر والدفاع عن كل ما يرتبط بأسمائهم، فالعبرة ليست بكثرة الحشود ولا ارتفاع أصوات المدائح ولا طول ليالي الاحتفال وإنما بما تتركه هذه المناسبات في النفوس من قيم وسلوك، وأقولها بوضوح: لو كان السيد البدوي من أولياء الله الصالحين أو من آل بيت النبي، وكان حاضرًا بيننا يرى ما يحدث باسمه فهل كان سيرضى أن تتحول ذكراه إلى مشاهد تثير كل هذه الخلافات والتساؤلات؟ وهل كان سيرضيه أن ينشغل الناس بالمظاهر والاحتفالات، بينما تغيب عن بعضهم القيم التي يُفترض أن تكون جوهر المحبة والاقتداء؟ لا أحد يستطيع أن يتحدث باسمه أو يجزم بما كان سيقوله، لكننا نعرف أن صلاح الصالحين لا يُقاس بما يُقام حول أضرحتهم، ولا بما يُنسب إليهم من مظاهر، وإنما بما تركوه من علم وأثر طيب وأخلاق تستحق الاقتداء.
وإذا كانت محبته صادقة، فالأولى أن نعبر عنها بالتمسك بالأخلاق والرحمة بالناس والصدق والأمانة وأن نراجع كل ممارسة تثير الشبهات أو تسيء إلى صورة المناسبة فهل نحب الصالحين حقًا حين نتمسك بأسمائهم أم حين نتمسك بالقيم التي نرجو أنهم عاشوا من أجلها؟، وإذا كنا نريد لمولد السيد البدوي أن يحتفظ بمكانته في الوجدان الشعبي فمن حقنا أن نتمنى أن يكون أكثر تنظيمًا وأن تتصدره المعاني الروحية والثقافية والإنسانية وأن تُصان فيه كرامة الناس وتُحترم القواعد العامة، وتُواجه أي تجاوزات بوضوح ومسؤولية، فليس من الحكمة أنه مع كل مولد للبدوي ننقسم إلى فريقين أحدهما يرفض كل شيء والآخر يدافع عن كل شيء الموقف الأكثر اتزانًا هو أن نحترم الناس ونحفظ مكانة الرموز الدينية ونرفض التجاوزات حيثما ظهرت من دون تعميم أو تجريح أو تكفير.
لسنا مضطرين إلى الاختيار بين محبة آل البيت ورفض الممارسات الخاطئة؛ نستطيع أن نجمع بين الأمرين.
فمحبتنا لا ينبغي أن تكون سببًا في تعطيل عقولنا كما أن غيرتنا الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإهانة الناس أو الانتقاص من نياتهم، ما نتمناه ليس إلغاء الاحتفالات ولا مصادرة مشاعر الناس وإنما أن نرتقي بها وأن نفرق بين العبادة والعادة وبين المحبة والمبالغة وبين احترام الصالحين وتبرير كل ما يُفعل باسمهم، فهل أصبح من الصعب أن نحب آل البيت ونحترم الصالحين ونتمسك بديننا وأخلاقنا، وفي الوقت نفسه نقول بوضوح إن بعض المشاهد لا تليق، وإن إصلاحها أفضل من الدفاع المستميت عنها؟، ذلك هو جوهر المسألة أن تكون المحبة طريقًا إلى الأخلاق لا مبررًا للتجاوز وأن يكون النقد دعوة إلى الإصلاح لا بابًا للخصومة والانقسام.
فمحبة آل البيت لا تعني الدفاع عن كل ما يحدث في الموالد ...