نظم مجمع البحوث الإسلامية ندوة تثقيفية في كلية الصيدلة بجامعة دمنهور، بعنوان: (معركة الوعي وأخطار حروب الجيل الرابع واستقرار المجتمعات)، وذلك في إطار مشروع مناطق الوعظ بالجامعات، تحت شعار (مجتمعاتنا أمانة)، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغنيّ، وكيل الأزهر، وتوجيهات فضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
حاضر في الندوة الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بالمجمع، بحضور أ.د إلهامي ترابيس، رئيس جامعة دمنهور، والعميد أركان حرب حسام شبل، المستشار العسكري لمحافظة البحيرة، واللواء خالد رسلان، السكرتير المساعد للمحافظة، وأ.د إيناس محمد إبراهيم، نائب رئيس الجامعة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، وأ.د. رانيا أبو زهرة، عميدة كلية الصيدلة.
وفي كلمته، أكد الدكتور محمود الهواري أن الأصل في الرسالات السماوية التي أرسل الله بها الرسل والأنبياء هو بناء وعي الإنسان وهدايته إلى طريق الخير، وهذا هو الاختبار الحقيقي للإنسان في قدرته على التمييز بين الحق والباطل، واختيار ما فيه صلاحه وصلاح مجتمعه، لذلك جاءت الرسالات السماوية بجملة من القيم والتشريعات التي تضمن، بناء مجتمع آمن ومستقر، يحسن أفراده استخدام مقدراته، ويكونون قادرين على أداء واجباتهم تجاهه، والأنبياء والرسل عليهم السلام دأبوا على الإصلاح والدعوة إلى الله تعالى، انطلاقا من أن الإصلاح هو الهدف الأساسي من الرسالات، مشيرا إلى أن حركة المجتمعات تتسم بالتغير والتطور المستمرين، وهو ما اقتضى أن تتضمن القيم والتشريعات السماوية منهجية متكاملة تمكن الإنسان من التعامل مع المستجدات، وقياس الوقائع الجديدة على الأصول والقواعد الحاكمة، بما يتيح له الاستفادة من التطورات دون الإخلال بصلاح المجتمع واستقراره، موضحا أن استحضار هذه المنهجية في التعامل مع واقعنا المعاصر يفرض إدراك طبيعة التحديات التي أفرزها التطور المتسارع في وسائل الاتصال وتدفق المعلومات وتعدد مصادرها، خاصة في ظل حروب الجيل الرابع التي لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، وإنما امتدت إلى ميادين العلم والمعلومات والتأثير في الوعي وتشكيل الأفكار والاتجاهات، ومواجهة هذه التحديات تستلزم امتلاك أدوات العلم والمعرفة، وتنمية القدرة على التفكير والتحليل والتمييز بين المعلومات، وعدم الاكتفاء بتلقي الأخبار أو إعادة تداولها دون التثبت من مصادرها.
وبين الدكتور محمود الهواري، أن حماية الأوطان تبدأ ببناء وعي رشيد لدى أفراده، قادر على فهم المتغيرات والتعامل معها وفق أسس علمية ومنهجية سليمة، من أجل هذا تتحمل المؤسسات التعليمية والجامعات مسؤولية مهمة في إعداد أجيال تمتلك أدوات البحث، بما يعزز قدرة الشباب على مواجهة التضليل، لأن بناء الوعي ليس استجابة مؤقتة لتحديات طارئة، بل عملية مستمرة تواكب تطور المجتمع وتعين أفراده على حسن التعامل مع مستجداته، موضحا أن الدراسات العلمية في مجالات الاتصال والإعلام وعلم النفس الاجتماعي تشير إلى أهمية التحقق من المعلومات، ومحو الأمية الإعلامية والرقمية، لأن سرعة انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية قد تمنح الأخبار غير الدقيقة مساحة واسعة قبل التحقق من صحتها، وخاصة في مواجهة التحديات التي تستهدف إضعاف المجتمعات من الداخل، من خلال بث الشائعات وزرع الشكوك والشبهات حول الرموز، وإشاعة الهزيمة النفسية، ومحاولات زعزعة الثقة في المؤسسات، بما قد يؤدي إلى إرباك الوعي العام وإضعاف الروابط المجتمعية.
وأضاف الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية أن مسؤولية الفرد عن الكلمة والمعلومة التي ينشرها لا تقتصر على الامتناع عن تداول الأخبار الكاذبة، بل تمتد إلى احترام خصوصية الآخرين، وتجنب الإساءة والتشهير، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض، وعدم الانسياق وراء المحتوى الذي يستهدف إثارة التعصب أو تعميق الانقسامات، لأن حماية المجتمع تبدأ من إدراك أثر الكلمة، وغياب المسؤولية تجاه الكلمة قد يحولها إلى وسيلة لنشر الخوف وإثارة الفتن والإضرار بالآخرين.
ودعا الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية الشباب إلى أداء دور إيجابي في الفضاء الرقمي، من خلال نشر المعرفة الصحيحة، واحترام الاختلاف، والتحاور بالحجة والدليل، بما يعزز استخدام التكنولوجيا نحو خدمة المجتمع وترسيخ تماسكه والحفاظ على استقراره، مشددا على أن المنهج الإسلامي سبق إلى إرساء قواعد واضحة للتثبت والتبين قبل نقل الأخبار أو بناء المواقف عليها، باعتبار ذلك ضرورة دينية وأخلاقية تحمي الأفراد والمجتمعات، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"، وهذا التوجيه القرآني يؤسس لمنهج متكامل في التعامل مع المعلومات، يقوم على التحقق من صحتها قبل نشرها، وتقدير آثار الكلمة قبل تداولها، وعدم اتخاذ المواقف بناء على أخبار لم تثبت صحتها بعد، وتكمن أهمية هذه القاعدة في صيانتها للهوية الدينية والوطنية، والتي لا يمكن حمايتها دون الاستناد على فهم صحيح.
وفي ختام الندوة، أكد الدكتور محمود الهواري، أهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والتعليمية والمجتمعية في بناء وخاصة في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، من خلال تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من الأخبار، وترسيخ ثقافة التثبت والتبين قبل تداول المعلومات أو بناء المواقف عليها، بما يحول دون الوقوع في فخ الشائعات والمعلومات المضللة، مشددا على أهمية اضطلاع المؤسسات بدورها في تنمية قدرات الشباب على البحث والتحليل والاستدلال، إلى جانب ترسيح دور المؤسسات في ترسيخ القيم التي تعزز الوعي الصحيح، بين ما يسهم في إصلاح المجتمع، لأن بناء الوعي عملية بناء الوعي تتطلب ترسيخ منهجية في التفكير والتعامل مع الأحداث، تقوم على فهم السياقات، وفحص الأدلة، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وعدم الانسياق وراء الانفعالات أو الأحكام المتسرعة.