تتجه الأنظار في الآونة الأخيرة نحو أروقة جامعة طنطا الأهلية، حيث يشتعل صراع خفي ومعلن على مقعد "رئاسة الجامعة"، وسط عاصفة من التساؤلات المشروعة، والاتهامات الضمنية الموجهة لإدارة الملف بتجاوز مبدأ "تكافؤ الفرص". الشارع الأكاديمي والإداري لا يزال يغلي على خلفية سيناريو ترشح نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة للمنصب ذاته، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام شبهة تضارب المصالح الفادح، ويطرح إشكالية أخلاقية وقانونية مفادها (كيف لمن كان يصنع القواعد أن يصبح لاعباً يستفيد منها؟)
ان وجود اللاعب والحَكم في ميدان واحد يمثل إشكالية تضارب المصالح بشكل واضح
الخطوة الأولى التي أقدم عليها نائب رئيس مجلس الأمناء بالاستقالة من منصبه بغية الترشح لرئاسة الجامعة، وإن بدت من الناحية الشكلية محاولة لتقنين الأوضاع، إلا أنها في جوهرها الإجرائي طرحت علامات استفهام كبرى حول نزاهة مسار الترشيحات برمتها.
فبحكم طبيعة عمله السابق، شارك الرجل أو اطلع عن قُرب على صياغة القواعد، الشروط، والإجراءات التنظيمية الخاصة بالعملية الانتخابية أو آلية الاختيار والترشح. ومن الناحية الموضوعية، فإن أي شخص يشغل منصباً رفيعاً في "مجلس الأمناء" يمتلك بالضرورة نفوذاً، وتأثيراً، ومعرفة مسبقة بكواليس صناعة القرار داخل المؤسسة.
إن السماح لشخصية بهذه الحظوة بأن تتحول بين عشية وضحاها من "مشرّع ومخطط" داخل المجلس إلى "منافس وطالب منصب" يخلق بيئة غير عادلة تفتقر لأدنى معايير الشفافية. وهو ما يضعنا أمام تساؤل قانوني وأخلاقي بالغ الأهمية..
ألا يعتبر هذا الوضع إخلالاً صارخاً بمبدأ الحياد وتكافؤ الفرص المنصوص عليه في الأعراف الأكاديمية؟
وهنا يثور التساؤل هل سبقت الاستقالة التقدم بالأوراق أم العكس؟
الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذا الملف لا يتوقف عند حدود تضارب المصالح المعنوي، بل يمتد ليطال التسلسل الزمني والإداري لخطوات التقدم للترشيح.
تشير المعطيات المتداولة والشكاوى المكتومة داخل أروقة التعليم العالي إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في التوقيتات.
حيث ترددت أنباء مؤكدة عن تقدم نائب رئيس مجلس الأمناء بأوراق ترشيحه رسمياً قبل أن تبت الجهات المعنية - وتحديداً وزير التعليم العالي والبحث العلمي - في قبول استقالته وتفعيلها بشكل رسمي وقانوني قاطع.
إذا صح هذا الطرح، فإننا أمام إشكالية إدارية جسيمة.. فالمعروف قانوناً أن استقالة المسؤولين في المؤسسات التعليمية العليا لا تُعتبر نافذة ومكتملة الأركان إلا بعد البت فيها من الجهة المختصة (الوزارة)، وخلال فترة شغله لمنصبه كـ "نائب لرئيس مجلس الأمناء"، يحظر عليه تماماً الدخول في أي منافسة أو الاستفادة من مزايا ترتبط بقرارات إدارية قد تُتخذ لصالح مستقبله المهني .
هذا التداخل الزمني يلقي بظلال كثيفة من الشك حول صحة الإجراءات التنظيمية لعملية الاختيار ككل.
إن استقالة نائب رئيس مجلس أمناء جامعة طنطا الأهلية حولت عدد المجلس من عدد فردي فردي إلى عدد زوجي بما يفتح الباب للتساؤل عن شرعية ما يصدر عن المجلس من قرارات واخطرها وأهمها تعيين رأس للجامعة ليضطلع بمهام جسام في بداية عمل الجامعة
لا تقتصر عاصفة جامعة طنطا الأهلية على حالة نائب رئيس المجلس فحسب، بل تمتد لتشمل مناخاً عاماً يحيطه الغموض؛ فالتساؤلات تتوالى بشأن استبعاد مرشحين آخرين توافرت فيهم الشروط، مقابل السماح لآخرين بخوض غمار المنافسة رغم وجود شبهات أو موانع قانونية تتعلق بشرط "الاستقالة المسبقة" أو استيفاء الأوراق في المواعيد المحددة.
هذا التباين في التعامل مع المرشحين يكرس حالة من الاحتقان وعدم الثقة في نزاهة الاختيار، ويحوّل منصب "رئاسة الجامعة الأهلية" من استحقاق أكاديمي وقائم على الكفاءة إلى معترك تصفية حسابات أو تطبيق لازدواجية المعايير.
إن الجامعات الأهلية في مصر وُجدت لتكون منارات للشفافية، والتميز، والحوكمة الرشيدة، بعيداً عن الممارسات البيروقراطية البالية أو التجاوزات الإدارية. وما يحدث اليوم في جامعة طنطا الأهلية ليس مجرد خلاف على مقعد إداري، بل هو اختبار حقيقي لهيبة القانون ووزارة التعليم العالي.
إن الكرة الآن في ملعب الدكتور وزير التعليم العالي والبحث العلمي للتدخل الفوري، وتشكيل لجنة فحص محايدة لتدقيق التسلسل الزمني لاستقالات المرشحين، ومراجعة مدى قانونية الإجراءات التنظيمية التي تم وضعها، لضمان خروج جامعة طنطا الأهلية من نفق التشكيك، وعودة الأمور إلى نصابها الصحيح بالحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الناجزة بين كافة الأكاديميين.