تتجاوز قراءة نتائج الانتخابات الأمريكية، وفي القلب منها وصول المرشح من أصول مصرية، عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيجان، منطق الصخب الاستقطابي الحاد بين فصيلين.. فصيل يراه معجزة إعجازية وفتوحات تاريخية، وآخر يقلل منها ويتعامل معها باعتبارها استثناءً نادراً.
تستدعي قراءة التحول قراءةً هادئة وعقلانية تُراعي البنية المؤسسية للحياة السياسية الأمريكية وترتكز على دراسة "المجال السياسي المتغير".
ومن المهم هنا التأكيد على الثابت الأساسي والمتمثل في «المصلحة الذاتية للناخب» ، حيث أن الناخب الأمريكي ينطلق بالأساس من واقعية مادية مصلحي
ومن حيث الأولوية اليومية ، يعطي الناخب الأولوية لملفات الاقتصاد التضخمي، أسعار السلع، تكلفة التأمين الصحي، وتوافر الفرص الوظيفية.
اما عن السياسة الخارجية من زاوية مادية فالمؤكد أن الناخب لا يُصوت بناءً على عاطفة مبدئية تجاه الشرق الأوسط أو غيره، بل يُقيم السياسة الخارجية من خلال التكلفة المالية.. "أين تذهب أموال الضرائب التي أدفعها؟"
وهنا يكمن ذكاء الخطاب السياسي الجديد الذي يربط اقتطاع التمويل الفيدرالي للخدمات الداخلية (كالمستشفيات والمدارس) بإنفاق مليارات الدولارات على التسليح والدعم العسكري الخارجي.
ويجب عند محاولة تفكيك الظاهرة ان نراجع ما الذي تغير في قواعد اللعبة؟ في ظل انكماش خطوط التابو التاريخية
حيث كان نقد إسرائيل أو التعرض للمساعدات الموجهة لها في العقود الماضية خطأً قاتلاً يُخرج السياسي فوراً من العمل العام.
ما حدث ليس مجرد تراجع هذا التابو، بل تحوله لدى قطاعات من القواعد الشعبية والشبابية إلى رافعة انتخابية تجذب الناخبين المعترضين على سياسات واشنطن الخارجية.
من المهم أيضا النظر بعين الاعتبار إلى التحول الديموجرافي جيل زد Gen z
لم تعد أجيال الشباب الحالية تتلقى معرفتها السياسية من وسائل الإعلام التقليدية التي شكلت الوجدان السياسي في العقود الماضية. حيث خلقت شبكات التواصل ومصادر التعبير الحر وعياً مختلفاً يربط قضايا الحريات والعدالة الاقتصادية في الداخل بمفهوم العدالة الدولية في الخارج.
كما تُظهر نتائج هذه الجولة الانتخابية أن ضخ الأموال الضخمة في الحملات الانتخابية لم يعد ضمانة مطلقة لحسم النتيجة، خصوصاً حينما تنجح الحملات المنافسة في حشد التمويل الشعبي الصغير (Small-dollar donors) المعتمد على الأفراد من الطبقات العاملة والمتوسطة.
وهنا علينا تحري الدقة الفنية لتجنب القراءات المغلوطة
ومن أجل البناء السياسي الصحيح على هذه الظاهرة، من المهم تجنب وقع المبالغات التي تُضلل القارئ العربي:
حيث أن المرشح الفائز هو من مواليد ولاية ميشيجان لأبوين من أصل مصري (وليس لاجئاً)، وتلقى تعليمه في أرقى الجامعات (أكسفورد وكولومبيا)؛ مما يعني أنه ابن المؤسسة الأكاديمية والطبية الأمريكية التي عملت وفق آلياتها القانونية والتنظيمية.
اما عن الإطار الحزبي الذي صعد داخله عبد الرحمن فيجب أن نذكر انه خاض السباق داخل أحشاء الحزب الديمقراطي وجناحه التقدمي، وبالتالي يحركه في النهاية برنامج حزبي وقواعد اشتباك داخلية تشترط المحافظة على مصالح القاعدة الانتخابية لولاية ميشيجان في المقام الأول.
ويجب علينا ولوج الطريق الثالث لكي نبحث في كيفية يُمكن البناء على هذا التحول؟
إن قراءة هذا الفوز بهدوء تقودنا إلى التعامل مع النظام السياسي الأمريكي باعتباره نظاماً ديناميكياً يتأثر بالوعي والتغيرات الديموجرافية، وليس كتلة صماء
ومن المهم أن يكون التعامل مع المؤسسات بلا عاطفة وإدراك أن المرشح يعمل أولاً وأخيراً لخدمة دائرته الانتخابية ومواطنيه، وتفهم أن خطابه الخارجي يحكمه سقف المصلحة الأمريكية.
أيضا يجب التأكيد على أن الاستثمار في الخطاب المعتمد على الحقائق مثل قضايا التمويل، كفاءة إنفاق أموال الضرائب، وحقوق الإنسان هي الأدوات الأكثر قدرة على مخاطبة الشارع الأمريكي والجيل الجديد مقارنة بالشعارات الأيديولوجية.
ومن المهم الأن دراسة التحولات الشعبية في هذا البلد الذي يعيش في سلام خلف المحيط و يشعل العالم بالحروب، و التعامل مع هذه التغيرات باعتبارها مساراً تدريجياً لفتح مساحات جديدة للنقاش داخل الكونغرس الأمريكي، بعيداً عن مبالغات النصر المطلق أو التشكيك الدائم.