رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

حسام فوزي جبر يكتب من يعيد الانضباط إلى شوارعنا؟

في أي مجتمع يحترم نفسه لا تكون الأخلاق مجرد كلمات نتغنى بها ولا يكون احترام الآخرين سلوكًا اختياريًا نمارسه وقتما نشاء، وإنما هو أساس الحياة المشتركة والحد الفاصل بين مجتمع يعرف قيمة الإنسان ومجتمع تتآكل فيه أبسط قواعد الذوق والاحترام، وبكل أسف لقد أصبحنا بحاجة إلى وقفة جادة مع أنفسنا أمام ما نشاهده يوميًا في شوارعنا من سلوكيات تتجاوز حدود الحرية وتعتدي على راحة الناس وحقوقهم وكأن الشارع ملك لمن يرفع صوته أو يقود دراجته بأقصى سرعة أو يفرض موسيقاه الصاخبة على الجميع دون أن يفكر لحظة في طفل يحاول النوم أو مريض يبحث عن الهدوء أو مسن يخشى عبور الطريق، في أبشع صور تفشي ظاهرة "الردة الأخلاقية" التي نحذر منها منذ سنوات.

كلنا يعرف جيدًا أن الحرية ليست فوضى فهل نسيني أن نربي أبنلئنا علي هذه القاعدة البسيطة، أين اختفت تلك القاعدة البسيطة التي تربينا عليها وهي أن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين؟ وكيف أصبح البعض يتعامل مع الشارع باعتباره ملكية خاصة، يفعل فيه ما يشاء دون اعتبار لجيرانه أو للمارة أو لحقوق بقية المواطنين؟!، فلم يعد الأمر مجرد ضوضاء عابرة أو تصرفات فردية محدودة بل أصبحت هناك سلوكيات تفرض نفسها على حياة الناس، من السرعة الجنونية بالموتوسيكلات داخل الشوارع السكنية، والاستعراض وإصدار الأصوات المزعجة، إلى تشغيل الأغاني بصوت مرتفع في ساعات الليل، والقيادة المتهورة التي تحول الشوارع إلى مصدر خطر دائم على الأطفال وكبار السن.

وبكل أسف أري -كما يري الجميع- أننا أزمة أخلاق أصابتنا في أعز ما نملك وهي أبنائنا قبل أن تكون مجرد مخالفة مرورية والأكثر إيلامًا أن بعض هذه التصرفات تصدر عن شباب في مقتبل العمر يفترض أنهم طاقة المجتمع وأمله في المستقبل لكننا نجد من يخلط بين الرجولة والاستعراض وبين الحرية والتعدي وبين إثبات الذات ولفت الأنظار بإزعاج الآخرين وتعريض حياتهم للخطر، وهنا لا بد أن نسأل بكل تجرد وحيادية بل وحسرة أين دور الأسرة؟ وأين مسؤولية الأب والأم في متابعة الأبناء وتوجيههم؟ وهل أصبحت التربية تقتصر على توفير احتياجات الأبناء دون الاهتمام بما يكتسبونه من قيم وسلوكيات؟ بل بالعكس توفير لهم مركبات يروعون بها خلق الله، نعم إننا لا نريد أن نحرم أبناءنا من الترفيه أو الاستمتاع بحياتهم ولا نصادر حقهم في الحرية لكننا نرفض أن تتحول متعتهم إلى معاناة للآخرين، وأن يدفع المجتمع ثمن سلوكيات لا تراعي أبسط قواعد الاحترام.

هل ينكر أحد أن شوارعنا ليست ملكًا لأحد بعينه؟ وان الشارع ملك للجميع، ومن حق كل مواطن أن يسير آمنًا وأن ينام في هدوء وأن يجد في محيط منزله قدرًا من السكينة والاحترام، وايضًا من حق الأطفال أن يلعبوا دون أن تطاردهم دراجة نارية يقودها شاب متهور ومن حق المرضى وكبار السن ألا تتحول ساعات راحتهم إلى سباق من الأصوات والضوضاء، ولا يمكن أن نتحدث عن مجتمع متحضر بينما نعجز عن احترام أبسط حقوق الجار والمارة، إن تفعيل القانون هنا ضرورة وليس تهديدًا فالدعوة إلى الالتزام لا ينبغي أن تظل مجرد مناشدات بل يجب أن تتحول إلى سلوك يومي وإلى تطبيق حقيقي للقانون على كل من يتعمد تعريض حياة المواطنين للخطر أو إقلاق راحتهم، أو تعريض أنفسهم لألقاب عريس الجنة وشهيد اللهو، نعم لابد من تكثيف الحملات المرورية والتعامل بحسم مع القيادة الاستعراضية والمتهورة والمركبات التي تصدر أصواتًا مزعجة ومتابعة المخالفات التي تهدد سلامة المواطنين، فالقانون لا ينتقص من حرية أحد وإنما يحمي حرية الجميع ويضع حدًا للفوضى التي لا يمكن تبريرها تحت أي مسمى، والأهم هو دور ولي الأمر ورب الأسرة دور الأسرة هو الأهم والتصدي لمثل هذه التصرفات واجب وعقاب ولي الأمر أهم من عقاب المتهورين ممن هم تحت ولايته، لقد آن الأوان أن نستعيد احترامنا لشوارعنا وتقاليدنا وقيمنا، وأن ندرك أن تراجع الذوق العام ليس أمرًا بسيطًا، بل جرس إنذار يمس مستقبل أبنائنا وطبيعة المجتمع الذي نتركه لهم، ولنعلمهم أن الأخلاق لا تُقاس بما نفعله حين نكون وحدنا وإنما بما نمتنع عنه احترامًا لحقوق الآخرين، ودعونا نتفق على أن الشارع ليس ساحة لاستعراض القوة وأن الحرية ليست حقًا في إزعاج الناس وأن احترام الآخرين ليس ضعفًا أو مجاملة، فإذا لم نحترم أنفسنا وجيراننا وشوارعنا، فماذا ننتظر من الأجيال القادمة؟

نريد شوارع آمنة وهادئة، وشبابًا يعرف قيمة نفسه، وأسرًا تتحمل مسؤوليتها، وقانونًا يطبق على الجميع دون استثناء، ورسالتي ورجائي إلى كل أب وأم راقبوا أبناءكم وكونوا قريبين منهم ولا تنتظروا وقوع كارثة حتى تدركوا خطورة تركهم دون توجيه أو متابعة، وإلى شبابنا: أن تكون محترمًا لا يعني أنك أقل حرية، وأن تحافظ على هدوء شارعك لا يعني أنك تتنازل عن حقك في الاستمتاع بحياتك. القوة الحقيقية ليست في صوت محرك مرتفع، ولا في استعراض يثير خوف الناس، وإنما في وعي الإنسان واحترامه لنفسه ولمن حوله.

حريتك حق لك.. لكنها ليست رخصة للاعتداء على حقوق الآخرين.... وللحديث بقية