رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الشيخ أبو بكر الجندي يكتب عن: الإسراء والمعراج (1)

رحلة الإسراء والمعراج آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته أيد الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى عن رحلة الإسراء أولاً: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}[الإسراء: 1]، فبدأت الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله تعالى حوله، ويمكن أن نفهم كلمة (حوله) إذا رسمنا دائرة مركزها المسجد القصى ومحيطها يمر جنوبا بمكة والمسجد الحرام، ويمر محيط الدائرة غربا بمصر كلها، وشمالا بالبحر المتوسط المملوء بالخيرات والأرزاق والبركات من النفط والغاز والثروة السمكية العظيمة وغير ذلك، وتمر الدائرة شرقا بأرض الشام والعراق، ويدل على سعة هذه الدائرة كلمة (الأقصى) بمعنى الأبعد أي عن المسجد الحرام، وفيها إشارة إلى المسجد الأدنى والأقرب إلى المسجد الحرام وهو المسجد النبوي بالمدينة المنورة، فبارك الله في المسجد الأقصى وبارك حوله، وتحديدا في قلب الشرق الأوسط.
وكان سبب هذه الرحلة هو عام الحزن الذي مر بقسوته على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث مات عمه الذي كان يحميه وماتت مؤنسة قلبه خديجة رضي الله عنها التي كانت تواسيه، فاستدعته العناية الإلهية واستضافته الرعاية الربانية لمواساة قلبه الحزين، وقطع حزنه برحلة الإسراء والمعراج، (تغيير جو) كما نسميها نحن اليوم، كما آنس ربه روحه صلى الله عله وسلم بفرض الصلاة والاستعانة بالوقوف بين يد الله على صعوبات الحياة، فكان صلى الله عليه وسلم لا يسترسل في الحزن ولا يفكر فيه، بل يسارع إلى قطعه بالصلاة الخاشعة، ويقول: "أرحنا بالصلاة يا بلال"، وكان يسمع  لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء؛ لأن فرحة قلبه وقرة عينه كانت في الصلاة.
وفي بداية الإسراء جاء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في الحطيم فشق الصدر الشريف واستخرج القلب النبوي، فغسله بماء زمزم وحشاه إيماناً وحكمةً، ثم أعاده مكانه في عملية جراحية حقيقية بقي أثرها في صدره، وكل من أراد أن يعرج إلى ربه، ويصعد لخالقه فلن يتمكن من ذلك، وقلبه غير طاهر أو مملوء بالشحناء والبغضاء والحقد والكراهية؛ لأن هذه الأمراض القلبية ما هي إلا كَلَبْشات وسلاسل تجذب القلب إلى أسفل سافلين، وتقيد الروح من الانطلاق والعروج إلى الله تعالى، كما في الحديث: "تُعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك به شيئا، إلا المتشاحنين يقول الله للملائكة: دعوهما ‌حتى ‌يصطلحا"، فإذا اصطلحا وصفى الإنسان قلبه حتى لخصومه، وأحب الخير للناس جميعا، حتى لأعدائه، أحبه الله تعالى، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، وجعله عنده من المقبولين {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشعراء: 88، 89].
ثم أُتِي النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق، وهو دابة بيضاء دون البغل وفوق الحمار، خطواته كمد البصر، فركبه حتى أتى بيت المقدس وربطه بالحلقة التي تربط بها الأنبياء دوابهم، وفي هذا تعليم جميل من الأنبياء جميعاً ودعوة للنظام وترتيب الأشياء ووضع كل شيء مكانه، وقد عظم الله تعالى النظام حتى سمى به سورتين في كتابه، سورة الصف والصافات، ومدح النمل والنحل والطير التي تحافظ على النظام، أما الأمة التي لا تحترم الطابور ولا تحافظ على النظام فهي أمة عشوائية هزيلة وضعيفة تتسابق عليها الأمم الأقوى لنهب خيراتها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.