في ذكرى ميلاد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، لا نكتب عن رجل غاب بالجسد وبقي بالأثر، ولا عن مرحلة تاريخية أغلقت صفحاتها، بل عن مشروع وطني وقومي ما زال حاضرًا في الوعي الجمعي للشعوب العربية، رغم كل محاولات التشويه والإقصاء المتعمد، إن استدعاء تجربة عبد الناصر اليوم ليس حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، بل فعل وعي نقدي ضروري في زمن التبعية والانكشاف، ومحاولة لاستعادة معنى الاستقلال والعدالة والكرامة في عالم يتوحش فيه رأس المال وتنهار فيه الدول من الداخل.
جاء جمال عبد الناصر معبرًا عن لحظة اجتماعية فارقة في التاريخ المصري، لحظة كانت فيها الأغلبية الساحقة من الشعب تعيش خارج التاريخ، مسحوقة تحت وطأة الإقطاع والاستعمار والملكية الفاسدة، ومن هنا فإن أول إنجاز حقيقي لعبد الناصر لم يكن قرارًا بعينه، بل كان إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية المستقلة، القادرة على تمثيل مصالح شعبها لا مصالح القوى الأجنبية أو الطبقات الطفيلية، لقد حرر عبد الناصر الإرادة الوطنية المصرية، وهو إنجاز تأسيسي لا يمكن التقليل من شأنه، لأن كل ما تحقق بعده كان مشروطًا بهذا التحرر.
حين أمم عبد الناصر قناة السويس عام 1956، لم يكن يتخذ قرارًا اقتصاديًا فقط، بل كان يعلن نهاية عصر كامل من الخضوع، ويؤسس لمرحلة جديدة من الصراع بين إرادة الشعوب ومصالح الإمبراطوريات. لقد واجه العدوان الثلاثي بثبات نادر، وخرج من المعركة منتصرًا سياسيًا، لتتحول مصر من دولة تابعة إلى رمز عالمي للمقاومة الوطنية، ومنذ تلك اللحظة، دخل اسم جمال عبد الناصر التاريخ بوصفه قائدًا كسر هيبة الاستعمار، وأعاد للشعوب المستعمرة ثقتها في قدرتها على المواجهة.
وعلى المستوى الداخلي، أسس عبد الناصر نموذج الدولة الاجتماعية التي انحازت بوضوح إلى الفقراء والعمال والفلاحين، وهو ما يتضح جليًا في قوانين الإصلاح الزراعي التي أنهت قرونًا من هيمنة الإقطاع، وأعادت توزيع الأرض بوصفها مصدر القوة والكرامة. كما جاءت مجانية التعليم لتفتح أبواب الصعود الاجتماعي أمام أبناء الطبقات الشعبية، فتغيرت الخريطة الطبقية للمجتمع المصري، وبرزت طبقة وسطى واسعة كانت نتاجًا مباشرًا لسياسات العدالة الاجتماعية، لا صدقة من السوق ولا منة من رأس المال.
وفي إطار مشروعه التنموي، قاد عبد الناصر عملية تصنيع وطنية كبرى، معتمدًا على القطاع العام باعتباره أداة الدولة في التنمية، لا عبئًا عليها كما يروج اليوم. كانت مصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج، وكان السد العالي الذي لم يكن مجرد مشروع هندسي ضخم، بل تعبيرًا عن الإرادة الوطنية في التحكم في الموارد الطبيعية وبناء اقتصاد مستقل. لقد فهم عبد الناصر مبكرًا أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي، وأن التنمية لا يمكن أن تترك لقوى السوق وحدها، لأنها بطبيعتها تعيد إنتاج التفاوت والهيمنة.
أما على المستوى العربي، فقد تجاوز عبد الناصر حدود الدولة القطرية الضيقة، وتبنى مشروع القومية العربية بوصفه ضرورة تاريخية لمواجهة التجزئة التي فرضها الاستعمار. لم تكن الوحدة عنده شعارًا عاطفيًا، بل خيارًا استراتيجيًا، تجسد في تجربة الوحدة المصرية السورية، التي رغم فشلها السياسي، كشفت حجم التآمر الداخلي والخارجي على أي محاولة جادة لتوحيد العرب، ومع ذلك بقي عبد الناصر رمزًا للوحدة والمصير المشترك، وصوتًا معبرًا عن آمال الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.
دعم عبد الناصر حركات التحرر العربي دون حسابات ضيقة، فكانت مصر سندًا للثورة الجزائرية، وللنضال الفلسطيني، ولحركات التحرر في اليمن والخليج، وتحولت القاهرة في عهده إلى عاصمة للأحرار والثوار، وفي زمن كانت فيه أنظمة عربية كثيرة ترتهن للغرب، وقف عبد الناصر في مواجهة الأحلاف الاستعمارية، رافضًا إدخال المنطقة العربية في صراعات تخدم مصالح الآخرين، ومؤكدًا حق العرب في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
وعالميًا احتل عبد الناصر مكانة استثنائية كأحد قادة العالم الثالث ومؤسسي حركة عدم الانحياز، رافضًا الاصطفاف خلف أي من المعسكرين الدوليين، وساعيًا إلى بناء كتلة دولية مستقلة من دول الجنوب. لم تكن مصر في عهده دولة هامشية، بل لاعبًا رئيسيًا في السياسة الدولية، وصوتًا قويًا في مواجهة الاستعمار القديم والجديد، وداعمًا لحركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
إن تقييم تجربة جمال عبد الناصر لا يمكن أن يكون منصفًا إذا اقتصر على تعداد الأخطاء أو الوقوف عند هزيمة 1967 بمعزل عن سياقها التاريخي. فالعظمة لا تعني غياب الخطأ، بل تعني وضوح الانحياز، وصلابة الموقف، والاستعداد لدفع الثمن، وقد دفع عبد الناصر ثمن مشروعه حتى آخر يوم في حياته، وظل منحازًا للفقراء، رافضًا المساومة على الاستقلال الوطني، ومتمسكًا بحلم الأمة العربية حتى رحيله.
في ذكرى ميلاده يبقى جمال عبد الناصر حاضرًا بوصفه رمزًا لمرحلة كان فيها للحلم معنى، وللسياسة أخلاق، وللدولة دور اجتماعي، وللعروبة مشروع تحرر لا شعارًا أجوف. لقد رحل عبد الناصر، لكن الأسئلة التي طرحها ما زالت مطروحة، والمعارك التي خاضها ما زالت قائمة، والمشروع الذي مثله ما زال ينتظر من يعيد له الاعتبار في زمن عربي تتزايد فيه الحاجة إلى عبد الناصر جديد، أو على الأقل إلى وعي ناصري لا يساوم ولا ينسى، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ د. محمد سيد أحمد