يختلط الجدل في كل مرة يُفتح فيها ملف الكلاب الضالة وحيوانات الشوارع حتى أن النقاش دائمًا يتحول من بحث عن حل واقعي إلى ساحة صراخ واتهامات متبادلة يتصدرها من يرفعون لافتة الرفق بالحيوان بينما يغيب الإنسان عن الصورة كأنه طرف ثانوي لا يستحق الاهتمام والمفارقة أن كثيرين ممن يتحدثون باسم الرحمة لا يمارسونها إلا كشعار ولا يستخدمونها إلا كورقة ضغط وابتزاز عاطفي بينما الواقع يقول إن القضية أعمق وأعقد وتحتاج عقلًا لا عاطفة ونظامًا لا شعارات وإعلاء لمصلحة الوطن والمواطن والتركيز والتأكيد أن حرية الفرد تنتهي عند بداية حرية الآخرين.
ويبدأ الخلل الحقيقي حين يتم التعامل مع مفهوم الرفق بالحيوان باعتباره نقيضًا للاهتمام بالإنسان وكأن الدفاع عن حياة البشر وسلامتهم يتعارض مع الرحمة بالمخلوقات الأخرى هذا الطرح في جوهره طرح مضطرب لا يستند إلى دين ولا إلى منطق ولا إلى تجربة إنسانية ناضجة فالإنسان وفق العقيدة والعقل معًا، هو محور العمران في هذا الكون وهو المكلف بالحفاظ على التوازن وليس التضحية بنفسه وأمنه بدعوى الشفقة المجتزأة، والمثير للدهشة بل وللاشمئزاز أن دعاة الرفق بالحيوان عندنا يتكئون ظاهريًا على مرجعيتين، الأولى غربية، والثانية دينية، بينما الحقيقة أن ما يُمارس لا يمت إلى أي منهما بصلة حقيقية فمن أراد تطبيق المنظومة الغربية لحقوق الحيوان فعليه أن يطبقها كاملة لا أن يختار منها ما يناسب هواه ويترك ما يفرض عليه مسؤوليات والتزامات.
ففي الدول الغربية، التي يُستشهد بها دائمًا لا وجود فعليًا لحيوانات سائبة تجوب الشوارع كما هو الحال لدينا الحيوانات هناك إما أليفة مملوكة لأشخاص محددين أو خاضعة لنظام صارم تديره الدولة كل حيوان له صاحب معروف ومسؤول قانونيًا عنه وجود الكلب خارج المنزل دون طوق أو حزام وفي غير الأماكن المخصصة لذلك يُعد مخالفة وإذا تسبب الحيوان في أذى لأي شخص فإن صاحبه يتحمل المسؤولية القانونية كاملة وقد تصل العقوبة إلى الغرامة أو السجن فضلًا عن التعويض، ولا تتوقف المسؤولية عند هذا الحد، فصاحب الحيوان مُلزم بتوفير الغذاء المناسب والعلاج والتطعيمات الدورية والرعاية الصحية والنفسية بل وحتى تنظيف المكان إذا قضى الحيوان حاجته في مكان عام.
وإذا تكاثر الحيوان فصاحبه مسؤول عن نسله ولا يحق له التخلي عنه في الشارع تحت أي ظرف هذه منظومة متكاملة قوامها المسؤولية قبل الرحمة، وحين يحدث أن يترك صاحب حيوانه أو يهرب الحيوان لا يُترك الأمر للفوضى يتم إبلاغ الجهات المختصة فتأتي فرق الجهات المختصة كـ البلدية أو الخدمات البيطرية للقبض على الحيوان ونقله إلى ملجأ يُبحث عن صاحبه وإذا ثبت إهماله يُعاقب وإن لم يُعثر على صاحب يُعرض الحيوان للتبني وفق شروط صارمة وإذا فشل ذلك، يتم التخلص منه بطريقة تُوصف بأنها رحيمة وفق معايير طبية محددة حفاظًا على المجتمع قبل أي اعتبار آخر، حتى أن إطعام الحيوانات الضالة في الشوارع وهو ما يُقدَّم عندنا ويُروج له كـ قمة الإنسانية يُعد مخالفة قانونية في كثير من هذه الدول ويُعاقب عليه بغرامات كبيرة فالمنطق هناك بسيط وواضح إما أن تتحمل الحيوان بالكامل وتأخذه إلى بيتك وتصبح مسؤولًا عنه أو تترك الأمر للدولة ونظامها أما أن تطعمه ثم تطلقه في الشارع ليؤذي الناس فهذا مرفوض تمامًا.
على الجهة الأخرى تمتلك المجتمعات الإسلامية تصورًا مختلفًا قائمًا على التعايش مع ما يُعرف بالطوافين والطوافات أي الحيوانات التي تعتمد على نفسها في معاشها بشرط أساسي هو عدم الإضرار بالناس هذا التعايش ليس مطلقًا ولا فوضويًا بل مقيد بقاعدة واضحة وهي درء الضرر مقدم على جلب المنفعة فإذا تحول الحيوان إلى مصدر خطر حقيقي جاز بل وجب حماية الناس من أذاه دون قسوة أو تعذيب ولكن بحسم ومسؤولية، فالدين الإسلامي لم يدعُ يومًا إلى تقديس الحيوان على حساب الإنسان ولم يجعل الرحمة مدخلًا لتعطيل العقل أو إهدار الأرواح الرحمة في جوهرها عدل واتزان لا إفراط ولا تفريط ومن الظلم الفادح أن تُستخدم النصوص الدينية لتبرير ترك الناس فريسة للخوف أو الأذى بينما يتم تصوير أي محاولة لتنظيم الظاهرة أو السيطرة عليها وكأنها جريمة أخلاقية، لا والأخطر من ذلك أن يتحول الملف إلى باب للمتاجرة وجمع التبرعات دون حلول حقيقية حيث يتم تضخيم المشاعر واستدعاء صور مؤلمة بينما تظل الشوارع كما هي ويظل المواطن البسيط هو من يدفع الثمن خوفًا على أطفاله أو قلقًا على نفسه أو عجزًا عن السير في طريقه بأمان، والقضية إذن ليست صراعًا بين الرحمة والقسوة بل بين الفوضى والنظام بين الادعاء والحقيقة لا أحد يرفض الرفق بالحيوان ولكن الرفق الحقيقي يبدأ بالمسؤولية ويُبنى على منظومة واضحة لا على شعارات فضفاضة إما أن نختار نموذجًا متكاملًا نلتزم فيه بالقانون والمسؤولية أو نحتكم إلى قيمنا الدينية والعقلية التي توازن بين حق الحيوان وأمن الإنسان.
قبل أن نصرخ ونزايد علينا أن نُجيب عن سؤال بسيط وصريح أي منظومة نريد أن نتبع حين نحدد الإجابة بوضوح يمكن وقتها فقط أن نصل إلى حل مفيد بعيدًا عن الشحتفة والابتزاز العاطفي والمتاجرة بالمشاعر وقتها سنجد حلًا قريبًا من العقل والعدل والرحمة الحقيقية التي تحفظ للجميع حقهم دون فوضى، وسأظل ما حييت أقولها وأجري علي الله الإنسان أولي بالرعاية الإنسان أحق بالعطف الإنسان أولًا وقبل كل وأي شيء، ارجعوا للحق ويكفي إدعاءات.