من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي وقع فيها البعض في بلادنا اصطناع مواجهة بين ثورة يناير و عيد الشرطة و كأن الثورة قامت على الشرطة
و لاشك أن الاستغراق في هذا الأمر يشكل مراهقة طفولية لا تليق و لا تجدي
فمثلما لا يستطيع أي شخص أن يلغي من التاريخ هبة الشعب المصري في يناير 2011، و اشواقه نحو التغيير و الحرية و الكرامة ، لا تقوى أي جهة على انكار تضحيات الشرطة على مدار التاريخ في سبيل النهوض بادوارها و تحمل أعباء الحفاظ على الأمن و هو أمر لو تعلمون عظيم
لم تقم الثورة على الشرطة يقينا، و لكنها قامت على أوضاع لخصها الرئيس السيسي في أخر لقاءاته في الصعيد ، عندما قال أن هدف الحفاظ على الكرسي و توريثه كان يسبق ما عداه و هو ما أنتج خرابة في كل مرافق الدولة نعاني أثرها و ندفع الأن ثمن اهمالها ردحا طويلا من الزمن
الثورة قامت طلبا للحياة الكريمة و العدالة الاجتماعية و المساواة و انقاذ الجمهورية من الامتهان على يد اسرة مبارك ، و لم تقم ضد الشرطة
ربما،في تقديري ؛ان الثورة انقذت الشرطة من براثن عصر مبارك ، حيث حملها النظام كل تبعات فشله و فشل حكوماته المتعاقبة و وضعها في مواجهة الشعب و حملها ما لا يجب ان تتحمله
وكما اكدنا انه لن تقوي جهة على انكار حقيقة ثورة يناير و هبة الشعب الغاضب خلالها ، فلن يستطيع أي فرد ان ينكر مواجهات الشرطة مع الاحتلال الانجليزي عبر شهور بلغت قمتها يوم 25 يناير 1952 ،
و هو يوم مشهود في تاريخ الشرطة المصرية بلا ريب .. حيث كانت الشرطة تتبادل أدوارا مع الفدائيين في مواجهة عساكر المحتل في منطقة القناة التي اشتعلت بالغضب ضد الاحتلال الانجليزي
فيوم 25 يناير 1952 لم يكن يوما مقطوع الصلة بما قبله من حلقات التاريخ أو حدث بالمصادفة ، بل كان تتويجا لمواجهات طويلة للشعب المصري و ضمنه قوي الشرطة ، سببت غيظاً عظيما للاحتلال الانجليزي الذي حاول الانتقام في هذا اليوم بكل قوته
و من المهم هنا أن نذكر ان العديد من الضباط و ضباط الصف و الجنود تركوا خدمتهم لينضموا للفدائيين في منطقة القناة، و لعل من المهم هنا ان نذكر ان الفنان صلاح ذوالفقار كان وقتها ضابطا في البوليس و ترك مدرسة البوليس لينضم للفدائيين ، و مثله الضابط سعد الدين وهبة الذي اصبح فيما بعد الكاتب و المؤلف الكبير سعد الدين وهبة و غيرهم كثير
من المؤكد ان تصرفات بعض افراد الشرطة بتجاوز القانون كانت المحرك الأول للهبة الأولى يوم 25 يناير ، لكن ما جرى بعد ذلك كان أكبر و اعظم من مجرد احتجاج عابر على موقف واحد ، ليتحول الى غضب عارم يستهدف التغيير الشامل و الخلاص من نظام شاخ على مقاعده و جمد الدم في عروق البلد
لذلك علينا جميعا "سلطة و مؤيدين و شعب و معارضة " أن نغادر ذلك المربع الصغير جدا الذي يسعى البعض لحشر البلد فيه و هو وضع ثورة يناير في مواجهة الشرطة و عيدها، نغادره الي رحابة الأهداف الواسعة التي تليق بحجم مصر و شعبها
ملحوظة :
نعمة الأمن حاجة عظيمة جدا قد لا يشعر بها من يحيا في أمن و أمان، ثم يجد وقتا لكي يذرف دمعا هتون على لاجئين جمدت عواصف ثلجية الدم في عروقهم ، و ينسى ان اطلاق الفوضى في بلادهم و تدمير المؤسسات هو ما انتهى بهم الي تحولهم للاجئين في خيام بعد ان كانوا امنين في بيوتهم