رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الشيخ أبو بكر الجندي يكتب عن: الأنس بالله

قصة رجل في مشاكل وخصام دائم مع زوجته، فقرر الزواج بامرأة ثانية يجد عندها السكون وراحة البال، وبالفعل تزوج بالزوجة التي تحقق له الراحة، وطبعاً بعد زواجه زادت مشاكله مع الزوجة الأولى، والتي كانت تُسيء إليه غاية الإساءة، ولكن لا يطلقها بسبب الأولاد، ورغم الإساءة إلا أنه كان يعاملها بكل تلطف، فسأله بعض أقاربه عن صبره على هذه الزوجة وسبب هدوئه معها وترفقه بها، فأجاب بكلمة واحدة، وقال أتحملها حتى أحافظ على حرارة الحب والمودة مع الزوجة الثانية.
ومن خلال هذه القصة هل وصلنا حقاً مع رب العالمين لدرجة الانغماس في محبته، فنتحمل كل هم وغم، ولا نسترسل في غضب أو حزن حتى نحافظ على حرارة الأنس بالله تعالى في قلوبنا، وكثير من الناس ما عرف ربه ولا أَنِس به، ولا تذوق طعم محبته، ولا استطاعوا المحافظة عليها إن وجدت، وفي حلاوتها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وَجَد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...".
وإذا كان هناك أناس الحديث معهم ملل, والكلام معهم ثقيل, وأناس آخرون مجرد ذكرهم يوجع القلب ويؤلم النفس حتى ولو كانوا غائبين, ولكن الأنس هو طول ذكر الحبيب من غير ملل ولاثقل, بل بكل لذة ومتعة هذ الأنس برب العالمين الذي جعل كليم الله موسى عليه السلام يسترسل في الحديث مع ربه حينما سأله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}[طه: 17]، فما قال هي عصاي فحسب بل قال موستأنساً بحب ربه: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}[طه: 18].
وعيسى عليه السلام يسأله ربه تعالي ويقول له: {مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[المائدة: 116 - 118] سؤال واحد يسأله رب العزة لنبيه عيسى عليه السلام فيجيبه بـ 12 جواب، ويسترسل في إجابته، ويطنب في الكلام، لا لشيء سوى استمتاعه بلقاء الله، ورغبته في محادثته.  
ولهذا كان الحديث مع الله والاسترسال بالكلام مع رب العالمين بكل التفاصيل، من خلال الدعاء والتضرع وذِكره تعالى من أعظم أسباب الأنس بالله، حتى قال الإمام ابن تيمية: إني لا أترك الذِّكْر إلا بنية ‌إجمام ‌نفسي وإراحتها؛ لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر، فحقا كما قال بعض الصالحين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته".
وإذا أَنِس الإنسان بربه أحب قربه واستغنى عن كل شيء بربه، حتى قالت السيدة عائشة عن أعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ليلة من الليالي، وهو في دفء لحافها، فقال لها: "يا عائشة، ‌ذريني ‌أتعبد الليلة لربي"، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي"، فمن أَنِس بالحبيب أغناه عن كل قريب بالغنى العالي الذي يستغني به الإنسان عن كل شيء، حتى استغنى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنس بربه عن نومه وقال: "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي"، ومن أنس بالله أنس به كل شيء، ومن قرت عينه بالله، قرت به كل عين.