كان النبي صلي الله عليه وسلم في مكة يجمع بين القبلتين ويستقبل البيتين معا، ثم لما هاجر إلي المدينة كان إذا استقبل المسجد الأقصى في الشمال استدبر بظهره الكعبة في الجنوب، فكان يدعو الله تعالى أن يحوله إلي الكعبة، وظل هكذا ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يقلب وجهه في السماء بالدعاء وانتظار جبريل بالإذن بهذا التحول حتي استجاب الله تعالي دعائه، وأُمر النبي صلي الله عليه وسلم وأُمر المسلمون بالتحول إلي الكعبة، في قوله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }[البقرة: 144]، ومن خلال هذا الحدث الكبير يمكن أن نستخلص عدة دروس روحية، والتي منها:
ــ ينبغي للإنسان أن يكون عظيم الرجاء والأمل في الله، فالرغبات الصادقة الصامتة في القلوب لها عناية إلاهية، فلا ييأس من الدعاء ولا يقنط من إجابته؛ لأن الله تعالى يحب الملحّين في الدّعاء، ومن الخطأ أن يقولون بعض الناس: ندعوا الله يمكن ربنا يستجيب لنا، ويعلق دعائه على الاحتمال، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نعلق الدعاء على اليقين، فقال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة".
ــ تحويل الحال وتغيير القلب وتهيئته لسرعة الاستجابة لشرع الله، كما هو دأب الصحابة، وحينما جاءهم خبر التحويل وهم في مسجد قُباء في الصلاة، فتوجهوا سريعاً إلى الكعبة، وما ترددوا ولا تباطئوا، وقد حثنا القرآن الكريم علي سرعة الاستجابة لشرع الله، وأن في ذلك الحياة الحقيقية، فقال تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال: 24]؛ لأن الشرع لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر.
ــ أن الشريعة الإسلامية لا تهتم بالمظاهر ولا تكترث بالصور والشكليات بقدر ما تهتم بالحقائق والأهداف والغايات فالله تعالي لا ينْظُرُ إِلى أجْسَامِكُمْ، ولا إِلى صُوَرِكمْ، وَلَكن ينْظُرُ إلى قُلُوبِكمْ وأعمالكم، وفي شأن القبلة، يقول الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}[البقرة: 177]، فالبر في الحقيقة مَن ازداد إيمانه، وتحقق يقينه واستقام على أمر ربه، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ...}[البقرة: 177]، ولما اشتد وجع سعيد بن الْمُسَيِّبِ فدخل عليه نافع بن جبير يعوده، فأغمى عليه، فقال نافع: وجهوه نحو القِبلةِ، ففعلوا، فلما أفاق ورأى أنهم وجهوه نحو القِبلةِ قال: "لإن لم يكن قلبي على القِبلةِ والمِلَّة والله لا ينفعني توجيهكم إياي".
فلتكن قبلتك أيها الإنسان وكعبة قلبك هو الله، ومرادك هو الله، وهدفك هو الله، وغايتك هو الله، ومقصدك هو الله، وابتغاءك هو الله، وسعيك دائما لله، وطواف قلبك دائما حول مرضاة الله، قال الله تعالى في من حقق المعنى الإيماني للقبلة الحقيقيه وجعل وجهته هو الله وحده خالصا لله عز وجل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[البقرة: 177].