نعم في الصيام ترتقي الأنفس وتعلو الروح لتصل للشفافية والإيمان الراقي الجميل المنزه عن الرياء لما لا وهو عباده بين العبد وربه ولا يمكن الحكم عليها إلا من خلال الفرد ذاته وضميره، فهذا الصائم يراعي الله في خلواته وسره وعلانيته فلا يشرب حينما يعطش ولا يأكل حينما يجوع رغم وجوده في منزله وحيدا بعيدا عن الأعين والألسنة ولن يراه أحد من الناس ولكنه يعلم أن الله يراه والملائكة تكتب كل كبيرة وصغيرة يعلمها،لذلك يقبل بكل حب علي الصوم حتي ينال مرتبة عليا عند رب البرية لا ينالها إلا الصائم التقي الصادق..ليغفر له ربه يوم يلقاه.
ويقول (أحمد شوقي) إن الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع، لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة يستثير الشفقة ويحض على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، ويسن خلاله البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وحرم المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وكيف ألمه إذا لذع".
إن الجوع والحرمان ينمي بصيرة الأنسان وللصوم فوائد كبري.
فيتحول "الجوع" عند الصائم من ألم بدني إلى "نور قلبي"، لأن الجوع الإرادي هو بمثابة "عملية جراحية نفسية دقيقة تستهدف استئصال أورام الكبر والعجب من النفس، إن المعدة إذا خلت، رقت الجوارح وصفا القلب، فسمع العبد نداءات الملكوت، إن هذا الحرمان الذي يختاره المؤمن طواعية هو تدريب على "الحرية"؛ فالحر الحقيقي ليس من يفعل ما يشاء، بل من يملك إرادة الترك و الامتناع عما يشتهي إذا كان ذلك في مرضاة الله سبحانه وتعالى.
فالجوع يكسر الأنانية المتكبرة الكامنة في الإنسان، تلك النبرة التي تقول "أنا"، فحين يضعف الجسد وتذل النفس للجوع، تدرك افتقارها التام للخالق، هذا الافتقار هو بوابة الغنى بالله؛ ومن هنا، فإن أسرار الصيام تتبدى في تلك اللحظات التي يشعر فيها الصائم بضعفه، فيناجي ربه بقلب منكسر، فيتنزل عليه من الفتوح ما لا يدركه أصحاب الموائد العامرة، إن الجوع يورث الفراسة ويزيد التقوي الأيمانية، ويجعل العبد ينظر بنور الله، فيميز بين الحق والباطل وبين النافع والضار. فتصبح بصيرته حادة تخترق حجب المادة لتري لطائف المعني بقدرة إيمانية شفافة هدية من الله لعبده المؤمن الصائم الصادق. ويكفي أن نتذكر الحديث القدسي
(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فأنه لي وأنا أجزي به).
أن الصيام هو "السر المصون" الذي لا يقع فيه الرياء، يقول الإمام ابن رجب الحنبلي: "إن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره؛ لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله، وترك لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها في العادة ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء" .
إن الصائم الذي يترك شهوته من أجل الله، يتصف بصفة من صفات الحق وهي "التنزه عن الطعام والشراب"، وبذلك يرتقى من الرتبة البشرية الكثيفة إلى الرتبة الملكوتية اللطيفة،وفي ذلك يقول أبوسُلَيْمَان الداراني "مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخره الجوع"
كما أنه تهذيب للنفس وترويض
لتعلم أن ليس كل شيء مباح في كل وقت بل هناك نظام يجب أتباعه وقانون رباني لا نحيد عنه حينما يأمرنا لابد من الطاعة والأستجابة فهنا أمر بالأمتناع عن المأكل والمشرب رغم إنهم حلال وحرام علي من يتناولهم في نهار رمضان أو من نوي الصوم..وهنا يستشعر الجوع والعطش ليتذكر ألم الجوعي والفقراء المحرومين من لذات الطعام فيسرع المؤمن إلي التبرع لهؤلاء ومساعدتهم سواء بالزكاة أو الصدقات والأطعام..فنري تلاحم وتعاون بين الناس غني وفقير، فالغني يتواضع والفقير يشعر أنه ليس وحده بل هناك من يشعر بحالته فيساعده ويسود الود والحب بين الناس بلا ضغينة أو حقد أو حسد..
سبحان الله العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا إله إلا الله والله أكبر..
تقبل الله صيامكم وقيامكم وطاعتكم وختم بالقبول شهركم وأدركتم ليلة القدر وأغتنتم بأمر الله ثوابها وبركتها ولا تنسونا من دعائكم
(د. محمود الجندي )