الصلاة هي استراحة نفسية من تعب الحياة ووجعها وآلامها؛ ولهذا كانت الصلاة هي معشوقة النبي صلى الله عليه وسلم، وجلاء همه وذهاب حزنه، فكان إذا ألم به هم أو أصابه غم قال: "يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها "، فكانت الصلاة راحتة وسعادته وقرة عينه فمتي نحب الصلاة ونفرح بها! ومتي نصلى صلاة الحقيقة التي ننال بها الراحة والرضوان!
ومن حبه للصلاة قال ثابت البناني في دعائه: "اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها، وما كان الله عز وجل ليرد ذلك الدعاء"، فصلاة القلب وخشوعه هي أعظم ما يمنحه الله تعالى لعباده، والتي هي عنوان الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى في كتابه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون: 1، 2]
وللصلاة الخاشعة ركنان أساسان ركن الأداء الفعلى للصلاة وإقامتها في وقتها بشروطها وأركانها، وقَبْلَه ركن الاستعداد الروحي للصلاة من تحضير القلب واستدعاء الروح بالتطهر والتطيب وتجهيز الآيات والذكر والدعاء، ويا روعة كتابة ذلك وتدوينه! فتتحقق الصلاة الخاشعة الخاضعة التي تنهى عن الفحشاء، والتي ترفع الإيمان، وتزيد من الهدوء والاطمئنان، وتشرح الصدور وتسعد القلوب، هذا الاستعداد الذي جعل زين العابدين رضي الله عنه إذا توضأ اصفر وجهه، ولما سئل عن ذلك يقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟
ومما يعين على الخشوع في الصلاة:
ـ استحضار الموت والقيامة ولقاء الله تعالى: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته، وصلى صلاة رجل لا يظن أن يصلى صلاة غيرها"، ولهذا قال الله تعالى في وصف الخاشعين: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}[البقرة: 45، 46].
ـ التفاعل مع آيات القرآن الكريم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في تلاوته أثناء الصلاة، فيقرأ مترسلًا، وإذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ.
ويكفي الخاشعين هذه المنحة الجليلة، التي قال فيها يحيى عليه السلام: "وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت"، وفي الحديث: "مَن توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه".
وهدف الشيطان أن تكون الصلاة مجرد حركات بلا خشوعٍ ولا روح، حتي يخطر بين المرء ونفسه فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى، ونجح في خطته مع المنافقين، حيث نعت القرآن صفاتهم، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، هذا الحالة القلبية البيئسة التي كان يستعيذ منها النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع".