قد يبدو العنوان صادمًا، بل صعبًا على السمع قبل القلب، فكيف يُطرح سؤال كهذا عن الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين ورمز وحدتهم منذ قرون طويلة؟ لكن الصدمة في العنوان ليست مقصودة لذاتها، بل لتفتح باب سؤالٍ ظل مطروحًا في بطون كتب التاريخ والفقه: لماذا لم تُعَد الكعبة إلى الهيئة التي بناها عليها إبراهيم عليه السلام؟
لقد نقلت الروايات الصحيحة والموثقة أن البناء القائم اليوم لا يطابق تمامًا قواعد إبراهيم، وأن جزءًا من البيت وهو ما يُعرف بالحِجر (حجر اسماعيل) كان داخل البناء الأصلي.
بل إن النبي محمد نفسه عبّر بوضوح عن رغبته في إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، لولا أن قومه كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي أن يثير ذلك فتنة بينهم، وهنا يكمن جوهر المسألة، فالسبب لم يكن تحريمًا، ولا منعًا شرعيًا، ولا قدسية تمنع المساس بالبناء.
كان السبب الوحيد تقريبًا هو الخوف من الفتنة، لكن الزمن تغيّر مرت قرون طويلة، واستقر الإسلام في قلوب مئات الملايين، وتجاوزت الأمة مراحل الاضطراب الأولى التي كان يخشى منها النبي، لم يعد المسلمون حديثي عهد بالإسلام، ولم تعد النفوس مرتبكة بين بقايا الجاهلية وحقيقة الدين، فإذا كان المانع هو الفتنة، وكانت الفتنة مأمونة أو على الأقل أقل احتمالًا بكثير مما كانت عليه في صدر الإسلام، فلماذا بقي السؤال مؤجلاً إلى ما لا نهاية؟
إن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ليست فكرة طارئة ولا دعوة عبثية، بل هي في أصلها عودة إلى الأصل الأول، عودة إلى الهيئة التي اختارها الله لبيته حين رفع قواعده إبراهيم وابنه اسماعيل.
والأمة الإسلامية اليوم تملك من الوعي والعلم والقدرة التنظيمية ما لم يكن متاحًا عبر معظم التاريخ، ملايين المشاريع العمرانية العملاقة تُدار بدقة مذهلة، وتُعاد ترميم آثار عمرها آلاف السنين دون أن يهتز العالم. فكيف يعجز المسلمون ، إن أرادوا ، عن إعادة بناء بيتهم الأقدس على أساسه الأول؟
بل إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس: كيف نهدم؟ بل: لماذا لم نفعل بعد؟
هل تحول الخوف القديم من الفتنة إلى تقليد غير مفكر فيه؟
هل أصبح الاحتياط الذي كان حكمة في زمنه قيدًا فكريًا في زمن آخر؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني التقليل من قدسية الكعبة، بل على العكس تمامًا؛ فهو تعبير عن الحرص على أن يكون بناؤها مطابقًا لما أراده الله لها أول مرة.
فإذا كان النبي قد تمنّى ذلك، ومنعه ظرف زمانه،
فربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بجرأة فكرية هادئة:
أما آن الأوان لنهدم الكعبة… لنُعيد بناءها كما بناها إبراهيم؟ ليس هدمًا لحرمتها، بل وفاءً لأصلها الأول.