رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور محمد سيد أحمد يكتب عن: ترامب وتجاهل العلوم الإنسانية !!

في تقدير علم الاجتماع السياسي، لا يمكن قراءة أي صراع دولي معاصر بمعزل عن التوازن العميق بين القوة الصلبة والقوة الكامنة في الوعي الجمعي للشعوب. ومن هذا المنطلق، فإن الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عدوانه على إيران لم يكن خطأً في حسابات السلاح أو التكنولوجيا بقدر ما كان إخفاقًا في فهم الإنسان الإيراني ذاته، تاريخه، وجغرافيته، وثقافته، وعقيدته، وهي عناصر لا تقل خطورة وتأثيرًا عن الصواريخ والطائرات.

لقد انطلق القرار الأمريكي من تصور تقليدي يرى أن التفوق العسكري والتكنولوجي كفيل بحسم أي معركة في زمن قياسي. فالتقارير التي عرضت على صانع القرار الأمريكي ركزت على دقة الأسلحة، وتفوق الأقمار الصناعية، وقدرة الاستخبارات على تحديد الأهداف، وكفاءة المنظومة الطبية والعسكرية في إدارة الحرب. كما لم تغب الحسابات الاقتصادية التي أغرت صانع القرار بإمكانية إعادة رسم خريطة النفوذ في الخليج والشرق الأوسط بكامله. غير أن هذه النظرة الاختزالية تجاهلت سؤالًا جوهريًا: من هو الخصم؟
إن إيران ليست مجرد مساحة جغرافية أو منظومة عسكرية قابلة للتدمير، بل هي كيان حضاري متراكم عبر آلاف السنين. جغرافيتها الوعرة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر مقاومة طبيعي يفرض على أي قوة غازية تحديات هائلة. جبالها وصحاريها واتساعها تجعل من السيطرة عليها أمرًا بالغ التعقيد، وهو ما أثبتته تجارب تاريخية عديدة. أما تاريخها، فهو تاريخ أمة عرفت الغزو والاحتلال، لكنها طورت عبر ذلك ذاكرة جماعية قائمة على الصمود وإعادة إنتاج القوة.

الأخطر من ذلك أن صانع القرار الأمريكي لم يلتفت إلى البعد الثقافي والعقائدي للمجتمع الإيراني. فالشخصية الإيرانية، سواء كانت مؤيدة للنظام أو معارضة له، تتسم بقدر عالٍ من الاعتداد بالهوية الوطنية والحضارية، هذا إلى جانب العقيدة الكربلائية. هذه الشخصية لا تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد صراع عسكري، بل كاختبار وجودي يمس الكرامة والسيادة. وهنا يتحول الصراع إلى معركة إرادة، تتراجع فيها أهمية الفارق في التسليح أمام قوة التماسك الداخلي.

لقد أثبتت التجربة أن العلوم الإنسانية ليست ترفًا فكريًا، بل أداة استراتيجية لا غنى عنها في فهم طبيعة الصراعات. فالتاريخ يفسر ردود الأفعال، وعلم الاجتماع يكشف بنية المجتمع، وعلم النفس يوضح دوافع السلوك الجماعي، والفلسفة تحدد الإطار الفكري الذي يحكم القرارات. تجاهل هذه العلوم جعل صانع القرار الأمريكي أسيرًا لسطحية الأرقام والتقارير التقنية، غير قادر على استيعاب ديناميكيات الصمود الإيراني.

ولعل المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة نفسها تمتلك تراثًا بحثيًا ضخمًا في دراسة الشعوب والثقافات، وقد استفادت منه في مراحل سابقة من تاريخها العسكري. غير أن هذا التراث تم تهميشه لصالح رؤية مادية ضيقة، ترى العالم من منظور الآلة لا الإنسان. وهنا يكمن جوهر الخطأ: الاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تحسم فقط عبر التفوق التكنولوجي، دون فهم عميق للخصم.

إن الإيرانيين في هذا السياق، لا يقاتلون فقط بأسلحتهم، بل يقاتلون بثقافتهم، وعقيدتهم، وبقدرتهم على تحويل المعاناة إلى دافع للاستمرار. لديهم خطاب إعلامي قادر على التعبئة، ونخبة فكرية تدرك أهمية الحرب النفسية، ومجتمع متماسك يستند إلى سردية تاريخية تعزز روح المقاومة. كل هذه العوامل تجعل من الصعب إخضاعهم عبر الضربات العسكرية وحدها.

من منظور المقاومة، يعيد هذا المشهد التأكيد على فكرة مركزية: أن الصراع مع الإمبريالية ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع حضاري شامل. فالأمة التي تعرف نفسها جيدًا، وتفهم تاريخها وجغرافيتها وثقافتها، وعقيدتها، تمتلك قدرة أكبر على الصمود في وجه أي عدوان، مهما بلغ تفوقه التكنولوجي.

إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من هذا الخطأ الاستراتيجي هو أن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بمدى فهم الذات والآخر. فالحروب لا تكسب في غرف العمليات وحدها، بل في عقول الشعوب ووجدانها. ومن يتجاهل هذا البعد، مهما امتلك من أدوات القوة، يظل عرضة للتعثر والفشل.

وفي النهاية، فإن أي مشروع للهيمنة لا يمكن أن ينجح إذا اصطدم بشعوب تمتلك وعيًا تاريخيًا وثقافيًا عميقًا. وهذا ما لم يدركه صانع القرار الأمريكي، فكانت النتيجة مواجهة مفتوحة مع واقع أكثر تعقيدًا مما تصور، وخسارة استراتيجية تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى اهتزاز صورة القوة ذاتها، اللهم بلغت اللهم فاشهد. 

بقلم/ د. محمد سيد أحمد سيد أحمد