يتمنى كل إنسان السعادة ويسعى في طلبها ويرغب في تحقيقها، ولكن ربما يتحقق له عكس ما يتمناه وضد ما يسعى إليه من التعاسة والشقاوة؛ لأنه يخلط بين مفهوم المتعة ومفهوم السعادة، فيستمتع الإنسان بالهاتف الجديد والملبس الوفير والمطعم اللذيذ ولكن سرعان ما يتحول هذا الإحساس إلى ضيق وحرج شديد إذا كانت مشترياته بالاستدانة وإغراق نفسه بالديون، ويمكن التفرقة بينهما بما يلي:
ـ المتعة غريزية تزول مع التكرار فاللحم الشهي يصبح ممللا إذا تكرر في كل وجبة، أما إطعام اللحم للآخرين ونفعهم وخدمتهم وقضاء حوائجهم فلا يمل الإنسان من إسعاد غيره وإدخال السرور على الناس.
ـ المتعة جسدية حسية وقصيرة الأمد وزائلة، بينما السعادة روحانية ومعنوية وطويلة الأمد ومستدامة.
ـ المتعة خارجية (مأكولات، ألعاب، ممتلكات)، بينما السعادة تنبع من الداخل (تحقيق الذات، نجاحات، إسهامات).
ـ المتعة سطحية ومؤقتة، بينما السعادة عميقة ومستقرة.
ـ الإفراط في المتعة قد يؤدي للإدمان، بينما السعادة تهدئ النفس وتجلب الاستقرار.
وتهتم الشركات الربحية في دعايتها لمنتجاتها وتسويقها لنفسها على بريق المتعة من خلال الحواس الخمس؛ لكسب مزيدٍ من الزبائن والعملاء، لكنها لا تمنح السعادة المجانية، فالسعادة لا تباع في المتاجر لكن يمكن شراؤها بهذه الطرق:
ـ التزود من العلم والتبحر في طلب المعرفة، فلا يشبع العلماء من العلم، كما لا يشبع الناس من طلب المال، كذا النجاح والتفوق، كنجاح الطالب في امتحاناته والعالم في اختراعاته واكتشافاته والكاتب في مؤلفاته ومصنفاته، والموظف في إتمام أعماله ومهماته، هذه النجاحات التي تستوجب تهنئة الناجحين والمتفوقين على نجاحهم وتفوقهم، والدعاء لهم بمزيد من التفوق والنجاح.
ـ طلب الرزق الحلال؛ ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزقنا من فضلك ولا تحرمنا رزقك، وبارك لنا فيما رزقتنا، واجعل رغبتنا فيما عندك، واجعل غنانا في أنفسنا"، وتزداد السعادة حينما يأخذ الإنسان المال من حِله ويضعه في مَحله بلا بخل ولا إسرف، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "نعم المال الصالح للرجل الصالح"، الذي أغناه الله من فضله مالًا، ثم سلطه على إنفاقه في الحق والخير.
ـ العمل التطوعي فالتطوع للعمل الخيري، والنشاط الإنساني، يخفف الألم عن المريض، ويمسح دمعة اليتيم، ويجبر خاطر الأرامل والمسنين، ويدخل السرور والبهجة على الفقراء والأيتام والمساكين، وفي ذات الوقت يَشعر المتطوع بسعادة تسري في وجدانه، حيث يجد في نفسه رقة وراحة تجعله يستمسك بالعمل الخيري والنشاط التطوعي دائمًا، رغم ما يبذله من الوقت والمال والجهد للعمل دون مقابل.
ـ الأنس بالصاحب والصديق جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة، وفي السعادة بالأصحاب يقول بعض العارفين: "إني لأمشي مع أخي يدي في يده أجد بردها وحلاوتها في قلبي".
وفي المقابل هناك بعض المتع واللذات التي تمنح شعورًا زائفًا بالسعادة المؤقتة، وهي منزوعة منها، كشرب الخمر والوقوع في سكر المخدرات، أو علاقة محرمة، أو التشفي بإنسان أو الشماتة بإنسان، حتى وإن وجد الإنسان فيها شيئًا من المتعة، إلا إن وخز الضمير ونغز القلب يأبى أن يتركه يهنأ بفعل محرم أو ارتكاب منكر