الأخلاق صنعة والأدب فن وحسن العشرة والمعاملة مهارة، والذوق واللمسات الإنسانية حِرفة تحتاج لمهارة وفن وحرفة، والصناعة هي: إجادة العمل بمهارة وجَودة وإتقان في إسعاد البشر، وإنعاش قلوبهم، وتخفيف آلامهم وأحزانهم، وتجديد حبهم وتنشيط العلاقات والصِّلات معهم، حتى لا تتحول مع الوقت إلى علاقات باردة بلا روح، أو تنقلب إلى عداوة وكراهية تنزع الروح انتزاعًا.
والفنون الأخلاقية والمهارات السلوكية كصنعةٍ تظهر في المواقف، والكلمات، والنظرات، وتتزين في ألفاظ حلوة تبعث الهمة والنشاط، وكلمات سحرية لها رنين رقيق، وضمير نقي، ونفس هادئة، وقلب شريف، وميراث رضواني يغمر النفس، وتسموا كذلك ببسمة لطفولة بريئة، أو لسان صادق مع يتيم، أو عفو قلب متسامح، أو هدية بلا منٍّ ولا أذى، أو خفقة حب حنون، أو كرب تكشفه، أو هم تزيله، أو ألم تخففه.
ومن جميل المواقف الإنسانية لإستاذ الإنسانية من النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أنه أخذ يومًا بيد معاذ بن جبل رضي الله عنه، ثم قال له: " يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك"، فكم هي فرحة معاذ بهذه اللمسات والكلمات التي تُذيب القلب ذوبانًا!
الود يبقى وحبُّ الله يجمعنا على الإخاء وطيبُ القول قد عَبَقا
والقلبُ يخفق إن هبَّت نسائمُكم فصادقُ الوُد يجلو الهمَّ والأرَقَا
والأخلاق ككل شىء فى الحياة يتم إعداده وصنعه بطرق ومواصفات محددة، وتجارب عديدة، ومحاولات مستمرة تنجح تارة، وتخفق تارة، وتنموا وتكبر تارة ثالثة ورابعة، فسِرُّ الأخلاقِ الحسَنةِ في تطبيقها لا في تحسينِ توصيفها، والدعوى الخُلُقِيَّةِ لا تقوم إلا على برهان اليقين وفي ميدان العمل.
ومصنع الذوقيات وصرح الأخلاق والأدبيات لا يحتاج إلى قطعة أرضٍ باهظة الثمن ولا رأس مال كبير أو صغير، ولا وقتٍ لدراسة جدوى، وإنما يحتاج فقط إلى نيةٍ خالصةٍ وعزيمةٍ صادقةٍ، وأدوات بسيطة من كلام رقيق، ووجه بشوش، ونظرات صادقة.
ومع البساطة والسهولة إلا أن منتجات هذا المصنع الخُلقي كثيرة وممتازة ومُعَمِّرة، وسوقه رائجة وزبائنه كثيرون، وعملائه دومًا في شغف ينتظرون؛ فلا يستغني عن منتجاته غني أو فقير، كبير أو صغير، مريض أو صحيح، قريب أو غريب.
ففتش في نفسك أيها الإنسان، ففي أعماقك كنز أخلاقي ثمين، وفي داخلك ثروة أدبية رائعة، تتحتاج إلى من يكتشفها ويستخرجها وينشرها بين الناس.
أما أرباح هذه الصناعة فهي مكاسب معنوية من صفاء نفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير، وهي في ذات السياق مكاسب مالية ومادية؛ فسعة الأرزاق في جمال الأخلاق، وسريعًا ما تُؤتي الأخلاق ثمارها من المحبة وتجني جناها من الصفاء والمودة، وفي الآخرة يقول في فضائلها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: "أثقل شيء في الميزان عند الله حسن الخلق" فلن يقدم الإنسان على ربه بحسنة مثل حسن الخُلق.
أما صناعة سَوء الخُلق ومهنة قلة الأدب التي تطيش بالعقل، وتعصف بالقلب، وتُذهب عن الناس معنى الحياة، ولا يمتهن هذه الحرفة الدنيئة إلا مسلوب العقل، فاقد الوعي، عديم الضمير، مفلس القِيَم في الدنيا، والحسنات في الآخرة، لأنه بسوء خلقه قد ضيع حسناته، واكتسب سيئات مَن أساء إليهم.