شارك مجمع البحوث الإسلامية في فعاليَّات المؤتمر العلمي الدولي السابع الذي نظِّمته كليَّة اللُّغة العربيَّة في جامعة الأزهر بأسيوط، بعنوان: التواصل المعرفي بين المشارقة والمغاربة وأثره في العلوم الإنسانيَّة،في إطار الحضور العلمي الفاعل لمجمع البحوث الإسلاميَّة بالأزهر الشريف بتوجيهات من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر وإشراف فضيلة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أ.د. محمد الجندي، وامتدادًا لدوره في دعم قضايا البحث العلمي وتعزيز مسارات التواصل المعرفي بين المؤسَّسات الأكاديميَّة
وألقى الدكتور محمود الهوَّاري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدِّيني بمجمع البحوث الإسلاميَّة، كلمةً قدَّم خلالها قراءةً واعيةً في مفهوم التواصل المعرفي، بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم وَحدة الأمَّة واستعادة توازنها الحضاري.
واستهلَّ الدكتور الهوَّاري كلمته بتوجيه التحيَّة لجامعة الأزهر فرع أسيوط، مشيدًا بدور كليَّة اللُّغة العربيَّة بوصفها حارسًا للسان العربي ومعبِّرًا عن هُويَّة الأمَّة، مؤكِّدًا أنَّ هذا المؤتمر يفتح نافذة أمل في زمن تتكاثر فيه أسباب الفُرقة، ويعيد توجيه البوصلة نحو العمل المشترك.
وأوضح الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ الأمَّة تعيش واقعًا معقَّدًا تتجاذبه عوامل التفرُّق والحدود المصطنعة، في وقت تتجه فيه أمم أخرى إلى التكتُّل والوَحدة، مشيرًا إلى أنَّ استعادة التماسك لا يمكن أن تتم إلا عبر مسارات عِلميَّة جادة تعيد بناء الجسور بين مكوِّنات الأمَّة.
وأكد أنَّ العلم في التصوُّر الإسلامي هو رابطة أخلاقيَّة وإنسانيَّة عميقة، تقوم على التكامل والتناصح والتوارث العلمي، مستشهدًا بالقول المأثور: «العِلم رحمٌ بين أهله»، بما تحمله من دلالات تؤسِّس لعَلاقة قائمة على المسئوليَّة المشتركة بين العلماء وطلاب العلم.
وتناول الدكتور الهوَّاري صورًا مضيئة من تاريخ التواصل المعرفي، وفي مقدِّمتها: الرحلة في طلب العلم، التي كانت مشروعًا تربويًّا متكاملًا لنقل المناهج والخبرات، إلى جانب نظام الإجازات العلميَّة الذي أسهم في اتصال السند العلمي بين المشرق والمغرب.
كما أشار إلى أنَّ هذا التواصل أنتج حالةً فريدةً مِنَ التكامل العلمي؛ إذْ أسهم علماء المشرق والمغرب في بناء علوم الأمَّة بشكل تراكمي، فكانت المؤلفات تُشرح وتُنقَّح وتُستدرك عبر الأجيال، في مشهد يعكس حيويَّة العقل المسلم ووحدته.
وضرب أمثلة لذلك بتكامل الجهود في خدمة كُتُب الحديث، وتدوين المذاهب الفقهيَّة، وتطوير الدرس اللُّغوي، مؤكدًا أنَّ هذا التفاعل كان حوارًا علميًّا حيًّا يقوم على النقد البنَّاء وأدب الاختلاف، متوقِّفًا عند نموذج القاضي عياض في تعامله مع شيخه المازري، بوصفه نموذجًا راقيًا لأخلاق العلماء؛ إذْ جمع بين النقد العلمي والدعاء والتقدير، مقدِّمًا كتاب (الإكمال) بوصفه استكمالًا للبناء لا هدمًا له؛ وهو ما يعكس جوهر التواصل المعرفي في الحضارة الإسلاميَّة.
واختتم الدكتور محمود الهوَّاري كلمته بطرح تساؤلات مباشرة حول واقعنا المعاصر: هل يمكن استعادة هذا النموذج الحضاري من التواصل؟ وهل نستطيع تحويله إلى آليَّات مؤسَّسيَّة فاعلة داخل الجامعات ومراكز البحث؟ مشيرًا إلى أنَّ الإجابة تكمن في مثل هذه المؤتمرات التي تفتح أفق التفكير وتدفع نحو العمل.