رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور أبو بكر الجندي يكتب عن: الإنسانية

الإنسانية هي رتبة الشرف العليا، والتي يحاول الكثير الوصول إليها، ويموت البعض دون شرف المحاولة.
ليست الإنسانية إمساك عن أذية الناس في دمائهم وأعراضهم واموالهم فحسب، فهذه هي الدرجة السفلى من الدرج الإنساني، إنما الإنسانية هي امتلاء القلب بالرحمة والشفقة، ثم شحن قلوب الناس حبًا وعطفًا وحنانًا، وملئ قلوبهم رقةً ورحمةً، وفي الحديث: "يدخل الجنة أُناس أفئدتهم كأفئدة الطير"، أي قلوبهم شديدة الرقة تفرح بأقل شيء، وتبكي من أقل شيء، ويرضيها أقل شيء؛ فإنسانيتهم عالية وآدميتهم راقية تتأثر بأدنى تأثير سلبي أو إيجابي.
والإنسانية في أصلها العربي من (أنِس)، وهي ضد توحَّش، فكلما أَنِسَ بك البشر فأنت إنسان، قد صنعت منك الإنسانية ملاكًا يمشي على الأرض، وكلما توحش منك البشر ونفروا عنك فاعلم أن ثمت خللًا في إنسانيتك، فبادر بمعالجة نفسك قبل الإنسلاخ التام من آدميتك فتصبح كالوحش الهائج، أو السبع الكاسر، {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}[الأنفال: 22].
وإذا كانت كلمة "الإنسان" قد كثر ذكرها في القرآن الكريم (56 مرة) فقد جاءت تكشف كثيرًا عن الصفات السلبية، التي تسلب الشخص منه إنسانيته وتسلخه من آدميته؛ حيث خُلِق الإنسان في ضعفٍ ويأسٍ وقنوطٍ وعجلٍ وظلمٍ وجهلٍ وجَزعٍ وهلع وجحودٍ، وهو فوق ذلك كادح كنود متكبر قاطع عاق خصيم مبين، إلى غير ذلك من الصفات الذميمة، فعالج كتاب الإنسانية هذه الآفات وبين دوائها؛ لاسترجاع الإنسان إلى نفسه واسترداد روحه إلى ذاته، وبناء شخصيته السوية،  وتزكيته بالقيم العليا، التي تسمو على الأهواء والأنانية، فيتسم بالسماحة دون العناد، والإخاء دون العنصرية، والمساواة دون الفرقة، والتعارف دون الرفض، والإيثار دون الشُّح، والعدل دون الظلم، والرخاء دون الفقر، والرحمة دون القسوة، والتعاون على البر دون الإثم والعدوان.
وقد بعث الله تعالى نبي الإنسانية رحمةً ونورًا للإنسانية، حيث غمر الوجود بعفوه ورأفته، حتى أعتى خصومه، فعبارة: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" تعكس النبل الإنساني للنبي الأكرم، حينما قالها في فتح مكة بعد حروب عاتية قادتها قريش ضده، فيدخل -صلى الله عليه وسلم- مكة فاتحًا شاكرًا لربه على فتحه المبين، فوقف يسألهم بلين وخلق جميل: "مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟"، قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال كلمته التاريخية التي رسخت قيم التسامح الإنساني: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ".
كذلك ظهر جليًا المقام الإنساني في قلب النبي الإنساني في معركة أحد حيث انكشف ظهر المسلمين ودارت الدائرة عليهم، حتى كاد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأصيب بجراحات غائرة في وجهه الشريف، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون".
فشمس إنسانيته صلى الله عليه وسلم لا تغيب، وبدر آدميته لا يأْفُل، وعطاءه القيم والأخلاقي ممتد، فقد بعث صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، ويحي معالي الآداب.
ودورنا أن ننهل من كريم أخلاقه، وننشر هديه للدنيا، وأن نعود إلى المَعين الإنساني الصافي، الذي صاغه نبي الإنسانية بهديه وشمائله قولًا وفعلًا، وهو يؤسس للكمال الإنساني والحضاري، والتي تعيد صياغة حياتنا على قيم الحق والخير والجمال، في ظل ما يشهده كوكبنا من الحروب الطاحنة، والقسوة المفرطة، والجفاف العاطفي، والمادية الطاغية.