جاءت استجابتان في آيات الصيام، في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186]، الأولى: ما تفضل الله به على عباده من إجابة دعاء الداعيين المتضرعين، خاصة الصائمين، والثانية: ما ينبغي على الإنسان من الاستجابة لشرع الله في كل ما أمر أو ما نهى عنه وزجر، وكلما بادر المؤمن بالاستجابة، كلما آتاه الله من فضله، قال تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}[الشورى: 26]، فالزيادة على قدر الاستجابة.
وهذه نماذج حية من استجابة الصادقين لله رب العالمين، قال أنس بن مالك: كنت أسقي القوم خمراً في منزل أبي طلحة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، من كثرة الخمر التي كانوا يدخرونها في بيوتهم، وكانت من كثرتها بمثابة القهوة والشاي في بيوتنا، أي أنها قد صارت من العادات الاجتماعية التي يصعب التخلص منها، ومع هذا سرعان ما أزاحوها من حياتهم؛ استجابة لأمر الله، ورأى أبو سفيان بن حرب الصحابة وطاعتهم للنبي صلي الله عليه وسلم، فقال للعباس بن عبد المطلب: "يا عباس أما يأمرهم بشيء إلا فعلوه، فقال العباس: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه".
وقد حثنا القرآن الكريم علي الاستجابة لله ورسوله فقال تعالي: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال: 24]؛ لأن الله تعالى لا يأمرنا إلا بالخير ولا ينهانا إلا عن الشر؛ لنحيا الحياة الحقيقة التي تليق بآدميتنا وإنسانيتنا، هذا في الدنيا أما في الآخرة فقد قال الله تعالي في جزاء هذه الاستجابة: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى}[الرعد: 18]؛ والحسنى هي الجنة التي {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ}[النحل: 31]، فرغباتهم مجابه وطلباتهم حاضرةجزاء لاستجابتهم لداعي الإيمان في الدنيا، ولهذا لا خيار للمؤمن أبدا مع الإمر الإلهي ـ سواء جاء في القرآن أو السنة ـ إلا الامتثال، وهذا من علامات الإيمان، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}[الأحزاب: 36]، فلا أضل ممن أعرض مستكبرا عن أمر الشرع الحنيف، وقد توالت الآيات في في تقبيح صورة العاصين المتكبرين، وهي كالتالي:
ـ تشبيههم باللوح الخشبي المكسور الذي لا فائدة منه: كما قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ}[المنافقون: 4].
ـ تشبيههم بالحيوان الذي لا يسمع ولا يعقل، كما قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}[الفرقان: 44].
ـ تشبيههم بالموتى الذين لا يحسون، كما قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}[النمل:80].
وقد قال تعالي عن سوء حسابهم وعظيم حسرتهم وكبير ندمهم، وهم يعترفون على انفسهم، ويقولون: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}[الملك: 10، 11].