بين الحجاب والموضة... هل ما زال السؤال مؤجلًا؟
في كل مرة أسير فيها في أحد شوارع مصرنا الغالية يتكرر أمامي المشهد نفسه فتيات في مراحل عمرية مختلفة بعضهن في الإعدادية وأخريات في الثانوية أو الجامعة يرتدين الحجاب لكن بطريقة تكاد تفرغه من معناه جزء من الشعر ظاهر والرقبة مكشوفة والملابس الضيقة والمكياج الصارخ يطغيان على الصورة، ولست هنا بصدد إصدار الأحكام على أحد ولا التفتيش في نيات الناس فالله وحده يعلم ما في القلوب لكنني أتحدث عن ظاهرة تستحق أن نتوقف أمامها بهدوء بعيدًا عن الصراخ أو السخرية أو التخوين، السؤال الذي يشغلني ليس: لماذا ترتدي فتاة الحجاب؟ بل: لماذا ترتديه بهذه الصورة؟، فإذا كان الحجاب عبادة فمن الطبيعي أن يكون المقياس هو ما يرضي الله لا ما يرضي الموضة أو مواقع التواصل الاجتماعي أما إذا تحول إلى مجرد قطعة قماش تُلبس لإرضاء المجتمع أو الأسرة أو مجاراة الآخرين فهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل بقي المقصد كما هو أم تغير؟.
لقد أصبحنا نعيش في زمن تختلط فيه المفاهيم فهناك من يتعامل مع الحجاب باعتباره "ستايل" يمكن تعديله وفق آخر صيحات الأزياء وهناك من يراه مجرد عادة اجتماعية بينما يغيب عن كثيرين أنه -في الرؤية الإسلامية- عبادة قبل أن يكون مظهرًا وطاعة قبل أن يكون زينة وهو ما تؤكد عليه المؤسسات الدينية الرسمية في مصر وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية اللذان يقرران أن الحجاب فريضة شرعية مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية الحكمة وحسن الخطاب في الدعوة والابتعاد عن الإكراه أو الإساءة ولذلك فإن القضية ليست في وجود الحجاب أو غيابه وإنما في صدق العلاقة بين الإنسان وربه فكل عبادة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الخارج والصلاة والصيام والزكاة والحجاب كلها أوامر شرعية خالصة يتقرب بها المسلم إلى الله لا إلى الناس، وما يقلقني حقًا هو أن يتحول الالتزام إلى مجرد صورة وأن تصبح قيمة العبادة مرتبطة بإعجاب الآخرين أو تعليقاتهم بينما الأصل أن تكون خالصة لله وحده ولا أحد سواه.
وأعرف أن هناك من سيقول: "كل إنسان حر" نعم،الإنسان مسؤول عن اختياراته ولا يملك أحد حق محاسبته أو مصادرة إرادته لكن حرية النقاش وإبداء الرأي أيضًا حق ما دام يتم باحترام بعيدًا عن التجريح أو الإهانة أو فرض الوصاية على الآخرين، ورسالتي ليست للفتيات وحدهن بل للأسر أيضًا فالحجاب لا ينجح إذا كان مجرد قرار يُفرض ولا يستمر إذا كان مجرد تقليد التربية على الإيمان وبناء القناعة والحوار الهادئ أعمق أثرًا من أي ضغط أو إلزام كما أنني أوجه حديثي إلى الآباء قبل البنات فابنتك لا تحتاج فقط إلى أن تسمع منك أن الحجاب فريضة لكنها تحتاج أن ترى فيك القدوة والرحمة والرفق وأن تجد من يجيب عن أسئلتها دون سخرية أو قسوة ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول الحجاب إلى ساحة لتبادل الاتهامات أو تصنيف الناس بين صالح وطالح فليس كل من قصّر في أمرٍ فقد خيره كله وليس من حق أحد أن يحتكر الحكم على إيمان الآخرين
ويبقى السؤال الذي أراه جديرًا بالتأمل: إذا كنا نرتدي شيئًا تقربًا إلى الله فهل نسأل أنفسنا كل يوم:هل هذا يقربني إليه فعلًا؟ أم أصبح مجرد عادة أكررها دون أن أتوقف أمام معناها؟، وربما تختلف الإجابات من شخص لآخر لكن المؤكد أن كل عبادة تستحق أن نراجع نيتنا فيها من حين لآخر لأن صلاح الظاهر يبدأ دائمًا من صلاح القلب.
وكعادتي عندما اتحث في مثل هذا الأمر لا أطلب من أي فتاة أكثر من لحظة صدق مع نفسها قبل أن تغادري منزلك توقفي خمس ثوانٍ فقط أمام المرآة وانظري إلى نفسك واسألي هذا السؤال: هل أنا راضية أن ألقى الله بهذه الهيئة؟ إذا كان قلبك سيجيبك بالاطمئنان فامضي وإن تردد أو همس لك بشيء فلا تتجاهلي صوته فالعمر ليس مضمونًا والموت لا يختار كبيرًا دون صغير ولا يفرق بين شاب وفتاة نسأل الله أن يبارك في أعمار بنات وشباب المسلمين وأن يرزقنا جميعًا حسن الختام وأن يجعلنا ممن إذا وقفوا بين يديه كانوا راضين عنه وكان راضيًا عنهم وأن يجنبنا وأهلينا وأولادنا واحفادنا وكل من لهم حقِِ علينا هذه الردة الأخلاقية التي تعصف بنا.