ألقى حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية، محاضرة علمية للباحثين من الهيئة المعاونة بجامعة الأزهر، وذلك في إطار البرنامج العلمي الذي تنظمه "الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء" بالأزهر الشريف، الهادف إلى رفع كفاءة أعضاء الهيئة المعاونة وتنمية مهاراتهم البحثية والعلمية، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع القضايا الفقهية المعاصرة بمنهجية تأصيلية رصينة.
جاءت المحاضرة بعنوان: «القواعد الفقهية وتطبيقاتها المعاصرة من خلال كتاب الأشباه والنظائر للإمام جلال الدين السيوطي الشافعي (ت 911هـ)»، حيث تناول فضيلته علم القواعد الفقهية بوصفه أحد أهم أعمدة البناء الفقهي، مشيرًا إلى مكانة هذا المصنف وقيمته العلمية، واعتباره من أبرز المؤلفات الجامعة التي تمثل ذروة في التقعيد الفقهي، لما اشتمل عليه من قواعد فقهية متعددة، وتفريعاتها، مع ذكر الفروع والمسائل الفقهية المنبثقة عنها.
وأشاد فضيلته بالمنهج التأصيلي الذي قامت عليه القواعد الفقهية عند العلماء، مؤكدًا أنها لم تكن نتاج اجتهادات مجردة أو تصورات ذهنية، وإنما بُنيت على أدلة راسخة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، مستشهدًا بقاعدة «المشقة تجلب التيسير» ودليلها قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وقاعدة «الأمور بمقاصدها» ودليلها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».
وأوضح فضيلته أن أصل بناء القواعد الفقهية يرجع إلى كون القرآن الكريم والسنة النبوية قد تناولا القضايا التكليفية تناولًا كليًا عامًا، مما يستلزم استنباط الجزئيات المتعددة التي تندرج تحت هذه الكليات، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي… يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، مبينًا أن «الأمر بالمعروف» يشمل كل معروف، و«النهي عن المنكر» يتناول كل منكر، و«تحليل الطيبات» يدخل فيه كل ما هو طيب، و«تحريم الخبائث» يشمل كل خبيث.
كما أكد فضيلته على أهمية القواعد الفقهية وضرورة تفعيلها في الواقع المعاصر، وعدم حصرها في الأمثلة التقليدية أو التطبيقات التي ذكرها الفقهاء، بل توظيفها في معالجة النوازل والقضايا المستجدة. وبيّن ذلك من خلال قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، موضحًا أن تطبيقها لا يقتصر على مسائل الطهارة والوضوء، بل يمتد إلى قضايا معاصرة دقيقة، مثل قضية الانتحار، حيث يُبنى الحكم على اليقين في إسلام الشخص قبل وقوع الفعل، ولا يُنتقل إلى الحكم عليه بالكفر إلا بعد تحقق وتثبت دقيق من الملابسات والدوافع، فقد تكون هناك أسباب نفسية أو اجتماعية أو ضغوط قاهرة.
وكذلك تناول فضيلته مسألة الردة، مؤكدًا ضرورة التروي وعدم التسرع في الأحكام، حتى تتضح الأسباب والدوافع، فقد يكون الأمر مرتبطًا بجهل أو شبهة أو تأثيرات فكرية أو حالات نفسية، مستشهدًا بما نُقل عن الإمام مالك من أنه «إذا كان في أمر المسلم تسعة وتسعون محملًا للكفر ومحمل واحد للإسلام حُمل على الإسلام».
واختتم فضيلته الحديث بالتأكيد على أن الواقع المعاصر يفرض ضرورة تفعيل القواعد الفقهية في معالجة القضايا المستجدة، باعتبارها أداة علمية منهجية قادرة على تحقيق الفهم الصحيح للنصوص وتنزيلها على الوقائع المعاصرة بما يحقق مقاصد الشريعة.