كنا صغارا أشقياء لدرجة لا تصدق نحن وكل أطفال المحروسة ممن يعيشون في الأحياء الشعبية والقرى جميعنا في السبعينات والثمانينات، لقد كنا نعشق الجري والشعبطة والتنطيط، بل كانت هي لنا الملاهي قبل اختراع مدن الملاهي ويا ويل الحنطور أو العربة الكارو لو نزل قرية أو دخل شارع بحي شعبي وقت العصاري بالذات، تجد عشرات الأطفال متشعبطين في الخلف دون علم السائق وهنا كنا نسمع عبارة (كرباج ورا يا اسطى) يطلقها العيال الرخمة الذين لم يجدوا مكان للشعبطة مع المتشعبطين ومستمتعين وبالتالي تجد العربجي يطرقع الكرباج في الهواء اولا لتخويف العيال ثم توجيهه للخلف ليلسوع المتشعبطين فيسقطون من علي خلفية الحنطور وهكذا
لقد عشت زمن «الحنطور» وكانت أيامى خلاله جميلة – أقصد الزمن والحنطور – وللجيل الجديد يمكنهم أن يتعرفوا على «الحنطور» إذا شاهدوا أغنية «الاقصر بلدنا بلد سواح» من فيلم أجازة نص السنة لفرقة رضا..أو فيلم (المولد) لعبد المنعم مدبولي وعفاف راضي وتحديد أغنية (طيب يا صبر طيب)..وفى هذا الزمن كان الاعلام و الصحافة تتمتع ببريق ورونق وقيمة ونفوذ كبير.. وكان نجوم التليفزيون والأعلام أصحاب هيبة و قامة طويلة!! وليس أي شخص يمكنه الوصول لتلك المكانة الرفيعة، وسرعان ما بدأ يتشعبط في الأعلام أميين و كذابين وبعض المشتاقين وانصاف المثقفين والشغالات وصبية المعلمين لذا وجب الصراخ بأعلي صوت (كرباج ورا يا اسطي) ليعلم أولي الأمر أن هؤلاء متشعبطين وليسوا أهل له، إن هذه الصورة الرمزية المعبرة عن حالنا جميعا زمن الشعبطة والتشبث والتعلق.. لقد كان الصغار قديما «يتشعبطون» خلف «الحنطور» بنية اللهو لأنهم لا يجدون ما يحملهم غير الأرض الجافة الصلبة القاسية فكانوا يبحثون عن دقائق من اللهو والأبتسامة حينما يحملهم الحنطور عشرات الأمتار.. فإذا بهم يجدون من يفشي سرهم وينادي بخفة الظل المصرية، «كرباج ورا يا اسطى».. وعندئذ يوجه قائد المركبة – بكل وعى وفهم – الكرباج للخلف.. ليصيب الصغير «المتشعبط» بلسعة تجعله يجرى صارخا وسط ضحكات المارة.
هذه الصورة داعبت خيالى عندما تابعت صغارا «يتشعبطون» فى «حنطور» الاعلام المرئى والمسموع خاصة في القنوات الخاصة غير الخاضعة لرقابة الأعلام الوطني،وهناك من يتشعبط في السياسة واخر يتشعبط في الرياضة والإقتصاد ألخ ألخ.. ووجدتنى مضطرا للهبوط إلى مستوى جهلهم وهتافهم ونفاقهم الرخيص.. ولا مانع من أن أكون «العربجى» وقت اللزوم.. فالسوقة والغوغاء والجهلة يحتاجون إلى «الكرباج» وإن كان جلدهم لا يخترقه الرصاص!
" كرباج ورا يا أسطى" هي عبارة كانت تقال للعربجي حين يتعلق بمؤخرة عربته بعض الصبية داخل الحارة، فيرفع الكرباج (السوط) لأعلى ويضربه فى الهواء، فيصدر صوتًا كالرعد، فيتفرق الصبية فزعين خوفًا من لسع الكرباج ومن لا يهرب عليه الاستعداد لتلقي ضربة الكرباج القادمة علي جسده أو رأسه.. فهل نجد من يرفع الكرباج للدخلاء علي المهن التي اقتحمها السوقة والدهماء وكل عبده مشتاق للشهرة والنجومية خاصة الإعلام والصحافة والأعمال التليفزيونية والعلاقات العامة وغيرها..
التفسير اللغوي للكلمات.
ولشرح كلمة (كرباج) في قاموس المعاني هو السوط الذي يستخدم لترويض الحيوانات وقيادتها وأشهر أنواع الكرابيج هو الكرباج السوداني الذي يصنع من جلد الحيوانات وخاصة جلد الخرتيت أو ذيل الفيل ويعتبر كالسلاح من قسوة ضربته وأثره الدموي علي جلد من يضرب به مهما كان. علما بأنه محرم ضرب البشر به لخطورته علي جسد الأنسان .
أما كلمة (أسطي) فهي في الأصل كلمة فارسية وتعني الأستاذ أو المعلم (أستا) واستخدمت في اللغة التركية بنفس المعني وانتقلت لمصر مع الاحتلال التركي والدولة المملوكية .. وتستخدم كلمة أسطي في مصر للإشارة إلي الحرفي البارع في عمله أو كبير الفنيين في الورشة أو الشخص الخبير في صنعته مثل السباك والميكانيكي والحلاق،وسائق السيارة التي تنقل الناس والمواد.. وأخيرا يستخدم الشباب حاليا كلمة (أسطي) للإشارة لأصدقائهم المقربين كنوع من أنواع المداعبة والتودد.
ولا ننسي فيلم (الأسطي حسن) ل فريد شوقي وهدي سلطان الذي أنتج عام 1952 مما يدل علي وجود هذه الكلمة في القاموس المصري وشيوعها.
وأخيرا... كرباج ورا يا اسطي.
علي كثيرا من أحوالنا وللتحذير من الجهلاء والمخربين والفسدة وغير المتخصصين في كل المهن والحرف في بلدنا العزيزة.
د. محمود الجندي
دكتوراة سيكولوجيا الاعلام والخبير الأعلامي