في عالم السياسة الدولية، نادراً ما تخرج الحقيقة عارية من أروقة واشنطن كما خرجت على لسان المشرّعة الأمريكية السابقة، مارجوري تايلور غرين. تصريحاتها الأخيرة لم تكن مجرد انتقاد عابر للسياسة الخارجية الأمريكية، بل جاءت بمثابة "شهادة من الداخل" تفكك البنية العميقة لما يُعرف بـ "المجمع الصناعي العسكري" (Military-Industrial Complex)، وتكشف كيف تحولت النزاعات المسلحة من أداة "حرب اضطرارية" إلى "نموذج تجاري مستدام" تتربح منه كبرى الشركات العابرة للقارات.
الحرب كدورة حياة للمنتج: استهلاك القديم لإنتاج الجديد
وضعت غرين يدها على واحدة من أخطر آليات عمل ماكينة الحرب الأمريكية، وهي "دورة تجديد المخزون". وفقاً لغرين، فإن الكثير من الحروب والتدخلات العسكرية تجد تبريرها في رغبة واشنطن في "استهلاك الذخيرة والأسلحة القديمة".
وتؤكد النائبة السابقة أن الحرب لن تنتهي أبداً، لأنه بدونها لن تتمكن الشركات المتعاقدة مع المؤسسات الدفاعية من الاستمرار في بيع أسلحتها.
هذا التحليل يتقاطع مع الواقع الاقتصادي لشركات الدفاع الكبرى (مثل لوكهيد مارتن، ورايثيون، وبوينغ)؛ حيث يتطلب استمرار تدفق الأرباح وصعود أسهمها في البورصة وجود "طلب مستمر" على السلاح. وتفريغ المستودعات الأمريكية من الذخائر التقليدية في جبهات قتال مختلفة حول العالم، يمنح الضوء الأخضر لإبرام عقود مليارية جديدة لإنتاج طائرات مسيّرة متطورة وأنظمة دفاع جوي ذكية وقنابل وصواريخ جيل جديد.
وتعد جماعات الضغط (اللوبي) بمثابة "الشر المحض" الذي يدير الكونغرس
ولا تتردد غرين في وصف النفوذ الطاغي لجماعات الضغط التابعة لصناعة الدفاع بـ "الشر المحض". وهنا تكمن العقدة الحقيقية في النظام السياسي الأمريكي
و يعد التمويل الانتخابي اهم عقدة في هذا الملف حيث تتدفق أموال شركات السلاح كـ "تبرعات قانونية" لحملات أعضاء الكونغرس (من الحزبين الديمقراطي والجمهوري).
وبعد ذلك يصبح المشرّع، الذي يُفترض أن يمثل إرادة الشعب، مدينًا لهذه الشركات، فيصوّت تلقائياً لصالح زيادة الميزانيات الدفاعية وإشعال فتيل الأزمات الدولية بدلاً من الدبلوماسية.
و يفسر هذا النفوذ المتزايد لماذا تبدو السياسة الخارجية الأمريكية مدفوعة دائماً بنزعة عسكرية، سواء كان الحديث عن التحرش العسكري بإيران، أو التهديد بالتوجه نحو كوبا، أو الانخراط في حروب بالوكالة لا تنتهي.
أما البُعد الأكثر إثارة في مشهد تصريحات غرين هو سياقها السياسي الداخلي. غرين ليست مجرد نائبة سابقة، بل هي أيقونة في حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (MAGA). غير أن هجومها الحاد على التدخلات العسكرية الأمريكية والعملية الإسرائيلية في قطاع غزة كلفها غاليًا؛ حيث قطع الرئيس الحالي دونالد ترامب علاقاته بها قبل أشهر.
وتعيد تصريحات مارجوري تايلور غرين إلى الأذهان التحذير الشهير للرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور عام 1961، عندما حذر الشعب الأمريكي من "التأثير غير المبرر للمجمع الصناعي العسكري".
وبعد عقود طويلة، يبدو أن نبوءة أيزنهاور قد تحققت بالكامل؛ فالحرب في المفهوم الأمريكي المعاصر لم تعد سياسة بوسائل أخرى، بل أصبحت استثماراً مالياً بضحايا بشريين، تقوده كارتلات السلاح التي لا يمكنها العيش إلا في عالم يمتلىء بالحروب والصراعات..