رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور محمد سيد أحمد يكتب عن: لبنان بين المقاومة والتطبيع!

ليس أخطر على الأمم من أن تُنتزع منها بوصلتها الوطنية تحت وطأة الضغوط الخارجية، وأن تتحول ثوابتها السياسية إلى أوراق تفاوض على موائد القوى الكبرى. وما يجري اليوم في لبنان ليس مجرد نقاش حول تفاهمات سياسية أو أمنية برعاية واشنطن، بل هو اختبار حقيقي لصلابة الدولة، ولقدرة النظام السياسي اللبناني على صون دستوره وحماية الإرادة الوطنية من محاولات إعادة صياغتها وفق الرؤية الأمريكية والصهيونية.

​إن التطبيع ليس إجراءً بروتوكوليًا، ولا اتفاقًا إداريًا عابرًا، وإنما هو تحوّل استراتيجي يعيد تعريف طبيعة الصراع وموقع الدولة من قضية احتلت وجدان اللبنانيين والعرب لعقود طويلة. ومن ثمّ، فإن أي سلطة تقدم على هذه الخطوة دون توافق وطني شامل، ودون المرور عبر المؤسسات الدستورية، إنما تضع البلاد أمام أزمة سياسية ودستورية مفتوحة على احتمالات خطيرة.

​والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن سلام بينما لا تزال قوات العدو الصهيوني تحتل أجزاءً من الأرض اللبنانية، وتواصل اعتداءاتها وانتهاكاتها للسيادة اللبنانية بصورة متكررة؟ أيُّ منطق سياسي يسمح بتحويل المحتل إلى شريك قبل أن ينهي احتلاله، وقبل أن تتوقف آلة العدوان عن استهداف الأرض والإنسان في جنوب لبنان؟

​إن جوهر الدولة الدستورية يقوم على احترام النصوص لا القفز فوقها، وعلى الاحتكام إلى الإرادة الشعبية لا إلى الضغوط الخارجية. ولذلك، فإن أي تغيير جذري في طبيعة العلاقة مع العدو الصهيوني — إذا كان هناك من يدعو إليه — لا يمكن أن يتم بقرار تنفيذي، وإنما عبر الآليات الدستورية والحوار الوطني الشامل؛ لأن مثل هذه القضايا تمس هوية الدولة وخياراتها الاستراتيجية.

​وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام؛ باعتبار أن أي اندفاع نحو مسار تطبيعي في ظل الانقسام الداخلي الحاد، ومن دون توافق سياسي واسع، يهدد بإحداث شرخ جديد في البنية الوطنية اللبنانية، ويعيد إنتاج الاصطفافات التي دفعت البلاد أثمانًا باهظة بسببها طوال سنوات الحرب الأهلية.

​ولا تنفصل هذه الضغوط عن الحملة المتواصلة المطالبة بنزل سلاح حزب الله، وهي حملة تتبناها الولايات المتحدة وتلتقي مع موقف العدو الصهيوني منذ سنوات. غير أن هذا الطرح يصطدم بقراءة سياسية وقانونية يتبناها قطاع واسع من اللبنانيين، تستند إلى اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1989؛ والذي يرى مؤيدو هذا التفسير أنه أبقى وضع المقاومة مختلفًا عن بقية التنظيمات المسلحة في ظل استمرار الاحتلال الصهيوني آنذاك، بما جعل قضية سلاحها مرتبطة بمعادلة الدفاع عن لبنان وفق هذا الفهم.

​كما أن اتفاق الطائف لم يكن مجرد وثيقة لإنهاء الحرب، بل كان عقدًا سياسيًا جديدًا أعاد توزيع السلطة بين المكونات اللبنانية، فجعل رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة الحكومة للسنة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة، على قاعدة الشراكة الوطنية والتوازن بين الطوائف، لا على قاعدة الغلبة أو الإقصاء.

​ومن هنا، يكتسب موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض لأي مسار تطبيعي مع العدو الصهيوني، وتمسكه برفض نزع سلاح حزب الله، دلالة سياسية كبيرة لدى مؤيديه؛ باعتباره يعبر عن قراءة ترى أن الحفاظ على التوازنات التي أرساها اتفاق الطائف شرط أساسي لاستقرار لبنان، وأن تجاوز هذا التوازن يفتح الباب أمام أزمة داخلية جديدة.

​لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن التدخلات الخارجية كانت — في كثير من الأحيان — وقودًا لتفاقم الانقسامات الداخلية، وأن كل مشروع يُفرض من خارج الإرادة الوطنية ينتهي إلى تعميق الشروخ بدل معالجتها. ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة رسم المشهد اللبناني بما يتوافق مع أولويات واشنطن أو الرؤية الصهيونية لن تؤدي، في نظر معارضيها، إلا إلى مزيد من الاستقطاب السياسي والطائفي.

​إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسامات، ولا إلى مغامرات سياسية تتجاوز التوافق الوطني، بل يحتاج إلى دولة تحترم دستورها، وإلى مؤسسات تصون سيادتها، وإلى قيادة تدرك أن الاستقرار لا يُشترى بالتنازلات، وأن الوحدة الوطنية لا تُبنى بإقصاء طرف أساسي من مكونات المجتمع أو بتجاهل هواجسه السياسية والأمنية.

​لقد علمتنا التجارب العربية أن الأوطان التي تُدار بإرادة الخارج تفقد تدريجيًا قدرتها على اتخاذ قرارها الحر، وأن السيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة سياسية تُختبر عند المنعطفات الكبرى. ولبنان يقف اليوم أمام أحد هذه المنعطفات؛ فإما أن ينتصر لمنطق الدستور والشراكة الوطنية، وإما أن ينزلق إلى مسار يزيد انقسامه الداخلي، في وقت لا يزال فيه الاحتلال والاعتداءات الصهيونية يمثلان تحديًا قائمًا لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه.

​اللهم بلغت، اللهم فاشهد.

بقلم/ د.  محمد سيد أحمد