رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
الأخبار العاجلة :
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

ناصر أبو طاحون يكتب عن: ثورة 23 يوليو.. إعادة قراءة في تحولات السلطة والمجتمع والمجال الجيو-سياسي "٢"

​لم يكن "البيان الأول" صباح 23 يوليو 1952 مجرد إعلان عن تحرك عسكري داخل أروقة الجيش المصري، بل كانت الشرارة التي أعادت تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية لمصر والشرق الأوسط لعقود طويلة.  
و​بين من يرونها "حركة مباركة" قضت على الاحتلال والطبقية، ومن يصنفونها كبداية لتقليص الحياة الحزبية والنيابية، تظل ثورة 23 يوليو حدثًا تاريخياً مفصلياً يستوجب القراءة التحليلية 

​ مَثَل الشق الاجتماعي العمود الفقري لشرعية ثورة يوليو ورصيدها الشبي الشعبي الممتد.  في ظل تحول اجتماعي واسع تحقق مع إعادة توزيع الثروة وصعود الطبقة الوسطى وتطبيق​ قانون الإصلاح الزراعي (1952) وكان الضرب بالعمق لظاهرة الإقطاع وتفتيت الملكية الزراعية الكبيرة، مما منح ملايين الفلاحين القدرة على تملك الأراضي لأول مرة.  
وجاءت ​مجانية التعليم والحراك المجتمعي.. حيث أتاحت سياسات مجانية التعليم وتوفير التوظيف الحكومي للطبقات الفقيرة والمتوسطة تقلد مناصب قيادية في القضاء والقوات المسلحة والجامعات والخدمة الدبلوماسية.  
و على صعيد ​المشروعات القومية والتأميم.. نقلت ثورة يوليو الثقل الاقتصادي من بين براثن الاحتكارات الأجنبية  إلى يد الدولة من خلال تأميم قناة السويس وبناء السد العالي وتأسيس المجمع الصناعي (الحديد والصلب، المحلة للغزل والنسيج)، وهو ما أوجد طبقة عمالية حضرية وازنة.  

و في الملف السياسي عمدت الثورة الى إعادة تعريف الدولة ونظام الحكم، حيث أحدثت الثورة قطيعة جذرية مع النظام الملكي البرلماني (1923–1952) وأسست لنظام رئاسي ، ليشهد عام 1953 إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، متبوعاً بحل الأحزاب السياسية وتدشين تنظيم سياسي واحد (الهيئة التحريرية، ثم الاتحاد القومي، فالاتحاد الاشتراكي).  
​وخلال فترة وجيزة حققت الثورة إنجازاً تاريخياً بتوقيع اتفاقية الجلاء عام 1954 وخروج آخر جندي بريطاني من قاعدة القناة عام 1956، لتنهي بذلك أكثر من 70 عاماً من السيطرة الاستعمارية.  

​لم تتوقف الثورة واثارها على مصر وحدها بل امتد نورها ليسطع في المجال الجيو-سياسي للدولة لتنتقل مصر من الإقليمية إلى قيادة العالم الثالث
و​لم تنحصر آثار ثورة 23 يوليو داخل الحدود المصرية، بل امتدت لتكون محركاً رئيسياً لحركات التحرر الوطني عبر العالم العربي وإفريقيا.  

وشهدت الدائرتان العربية والإفريقية عمليات دعم ثورات التحرر (الجزائر، اليمن) واستضافة قادة حركة التحرر الإفريقي، مما جعل القاهرة عاصمة للتحرر من الاستعمار.
و شاركت مصر  في تأسيس حركة عدم الانحياز (مؤتمر باندونج 1955) وصياغة قطب ثالث في أوج الحرب الباردة بين الشرق والغرب.
وتبنت مصر، ولازالت ، القضية الفلسطينية كأولوية أمن قومي، وهو ما جعلها في قلب الصراع العربي الاسرائيلي بكل تبعاته 

تظل ثورة 23 يوليو 1952 تجربة تاريخية مرکبة؛ فقد استطاعت نقل مصر من التبعية الاستعمارية وفوارق الطبقات الحادة إلى الاستقلال الوطني وصعود الطبقة الوسطى.