رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور اسماعيل زايد يكتب عن أزمة الساحل الشمالي وملاك "مراسي"

عندما تصبح الملكية "ناقصة" نظرة بين القانون والواقع ...

 

     في الآونة الأخيرة، تحول الساحل الشمالي في مصر من مجرد ملاذ صيفي وهادئ على البحر إلى واحدة من أكبر البؤر الاستثمارية والعقارية في المنطقة ، لكن خلف الواجهات الزجاجية الفاخرة للقرى الشهيرة وعلى رأسها منتجع "مراسي" تخلق نموذج عقاري وإداري جديد طرح تساؤلات قانونية واجتماعية عميقة حول مفهوم حق الملكية.

من المسلمات القانونية بان حق الملكية يتولد عنه ثلاث حقوق رئيسية تعد من المظاهر الأساسية الدالة علي الملكية ، وقد يستخدمها المالك مجتمعه في تصرف واحد أو يأخذ تصرفه إحدي تلك الصور الدالة علي الملكية ..

وفقاً لأحكام القانون المدني (المادة 802 ) " يمنح حق الملكية المالك ثلاثة سلطات رئيسية "  عن الاستعمال " استخدام العين لنفسه وأسرته" و الاستغلال من خلال تأجير العقار أو استثماره وإدخال عائد منه، اضافة إلى التصرف "بيعه، رهنه، أو هبته لمن يشاء"

وتتكون الملكية العقارية في المجمعات والقرى السياحية من عنصرين .. ملكية مفرزة تتمثل في الشاليه أو الشقة أو الفيلا المملوكة للمالك ملكية حصرية، وملكية شائعة تتمثل في الأجزاء المشتركة (الممرات، الشوارع، الشواطئ، الحدائق العامة، المسبح).

 

تأسيساً على ذلك، فإن سلطة المالك على عين ملكيته المفرزة هي سلطة مطلقة استناداً لأحكام الدستور والقانون المدني، ولا يجوز تقييدها إلا بناءً على نص قانوني صريح أو اتفاق صحيح لا يخالف النظام العام.

وعندما يختزل المطور العقاري أحد تلك الصور وينتزعها من المالك تتولد للتو ما يسمي ( الملكية الناقصة ) ، حيث يقوم المطور العقاري أو شركة إدارة الجمعية بإنتزاع جزء من هذه السلطات أو تقييدها بقرارات أحادية، مما يحول المالك الفعلي إلى ما يشبه "المستأجر طويل الأجل" في ملكه الخاص . 

   

تجلت هذه ازمة مراسي وقرى الساحل الشمالي في قضايا ومطالبات متعددة رفعها ملاك الوحدات، وتتلخص أهم نقاط الخلاف والنزاع في تقييد حق التأجير والتأجير المباشر حيث

تفرض بعض إدارات القرى السياحية حظراً على تأجير الوحدات للغير أو تشتراط الحصول على تصاريح ودفع رسوم نسبية عالية لصالح شركة الإدارة، أو حصر التأجير عبر منصات محددة تابعة للمطور فقط. 

 

تنص المادتان 823 و824 من القانون المدني على شروط صحة الشرط المانع من التصرف أو الاستغلال

- يجب أن يستند الشرط المانع إلى باعث مشروع.

- يجب أن يكون المانع مؤقتاً بمدة معقولة.

المبدأ القضائي (محكمة النقض المصرية):

إذا كان الشرط المانع مؤبداً أو غير مستند إلى غاية مشروعة حماية لمصلحة جدية، فإنه يقع باطلاً بطلاناً مطلقاً، ويصح العقد مع إلغاء الشرط الباطل.

 

 

فرض وادعاء رسوم صيانة وزيادات سنوية مرتفعة بدون تقديم كشوف حساب تفصيلية معتمدة من الجمعية العمومية للملاك، ومقاطعة الخدمات (كالكهرباء أو كروت الدخول) في حال الاعتراض أو الامتناع عن السداد. تعد رسوم الصيانة من أكبر نقاط النزاع الإداري والقانوني في القرى السياحية.

 

تحكم الإدارة في إصدار الكروت الذكية واستضافة الأقارب والأصدقاء، وفرض رسوم على الزوار أو تحديد أعدادهم، مما يحد من حرية المالك في التمتع بعقاره . 

تعتبر وسيلة قطع كروت الدخول أو التضييق على دخول المالك وأسرته بسبب النزاع على رسوم الصيانة استيفاءً للحق بالذات (Self-help) وهو أمر يجرمه القانون المصري ويُشكل هذا التصرف جريمة تعرض لمنفعة عقار وفقاً لأحكام قانون العقوبات ويُحق للمالك المتضرر اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لإصدار أمر وقتي بتمكينه من دخول العقار والانتفاع به فوراً، مع المطالبة بالتعويض عن الأضرار.

 

تأخر المطورين في تسليم عقود نهائية موثقة قابلة للتسجيل بالشهر العقاري، مما يترك المالك تحت رحمة العقد الابتدائي والاشتراطات الجزائية التابعة للمطور.

و

   تنشأ الإشكالية القانونية أساساً من العقود النموذجية (عقود الإذعان) التي يوقعها المشتري عند الشراء ، وتعتبر الاساس القانوني والتعاقدي الذي يرتكن إليه المطور العقاري في معظم تصرفاته الأحادية وكثيراً ما يحصن تلك العقود بنصوص تعاقدية رضائية تعصف بحق الملكية بل تجعله كعرجون نخل هاوية تعصفه قوي المطور العقاري علي غير الحقيقة والواقع والقانون .

والمتأمل بشكل قانوني موضوعي لتلك العقود يجدها تتعارض مطلقا مع احكام الملكية وما أولاها المشرع من صيانة لها من التعرض بكافة صوره وأشكاله وكثيرا ما تتعارض بنود تلك العقود مع النظام العام والواقع القانوني المعاش ويحق للقاضي تعديل الشرط التعسفي أو إعفاء المالك منه حماية للمراكز القانونية

ومما أذهلني حقا عندما طالعت أحد تلك العقود ووجدت بنداً صريحاً يمنع تصرفات المطور العقاري أحد طرفي التعاقد من المثول أمام القضاء ويحصن قراراته المستقبلية ، في صفعة لمبادئ القانون ، فهل تحولت تصرفات وقرارات المطور العقاري الي صورة جديدة من أعمال السيادة ؟؟؟ المحصنة من الرقابة القضائية  ، فمن غير المستصاغ أن تكون قرارات رئيس الجمهورية تحت رقابة قضائية لبحث مشروعيتها وصدورها وفقا لصحيح القانون وتتحصن قرارات المطور العقاري عن رقابة القضاء في صورة تشكل تحد لقانون الإقليم وضرب للعقد الإجتماعي . 

ويمكن تُكيف عقد الشراء وشروط لائحة إدارة المجمع المرفقة به كـ "عقد إذعان" وفقاً للمادة 149 من القانون المدني.

ومما لاشك فيه بأن أحكام القانون تحظر وضع بند يعطي الطرف القوي (المطور) الحق في تعديل التزامات المالك أو تقييد حقوقه الأساسية بإرادته المنفردة بعد انتهاء البيع.

 

 

وتنص أحكام محكمة النقض المصرية على أن أي شرط يمنع المالك منعاً مطلقاً من التصرف أو الاستغلال يُعد شرطاً باطلاً لكونه يصادم النظام العام وحق الملكية المكفول دستورياً.

اتحادات الشاغلين: ينظم قانون البناء الموحد (رقم 119 لسنة 2008) إدارة التجمعات السكنية عبر "اتحاد الشاغلين" المنتخب من الملاك. إلا أن المشهد بالساحل يشهد هيمنة الشركات العقارية وإقصاء اتحاد الشاغلين الحقيقي.

كما تنص أحكام قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 على أن السلطة الأصلية لإدارة الأجزاء المشتركة وتقدير مصاريف الصيانة تُناط بـ اتحاد الشاغلين         (أو جمعية الملاك) المنتخبة من الملاك أنفسهم.

تجاوز شركة الإدارة: قيام شركة الإدارة بفرض وديعة صيانة إضافية أو زيادة الميزانية دون العرض على الجمعية العمومية وإطلاع الملاك على الفواتير والمستندات المحاسبية يُعد إجراءً معيباً بطلاناً ومخالفاً لأحكام القانون..

 

وقد تتسبب هذه التجاذبات في آثار سلبية على المدى البعيد أبرزها إهتزاز الثقة في المستثمرين وخاصة في هذا القطاع الواعد بشمال الإقليم المصري .  اضافة إلى تراجع القيمة الاستثمارية للوحدات بسبب صعوبة إعادة التأجير أو تحقيق عائد.

وكذلك عزوف بعض المشترين عن القرى التي تُعرف بفرض قيود مشددة وتعقيدات إدارية وتوقف تام في سوق إعادة البيع .

والتأثير علي قطاع السياحة الداخلية وارتفاع تكاليف المصيف وتقليل خيارات الإقامة المرنة للمواطنين والسياح.

 

 

 

 

للخروج من أزمة "الملكية الناقصة" والنزاعات المستمرة بين الملاك وشركات التطوير العقاري في الساحل الشمالي، يتطلب الأمر منظومة حلول متكاملة تجمع بين الإصلاح التشريعي، والحلول الإدارية، والتحركات الجماعية للملاك.

أولا : المستوي التشريعي والتنظيمي (دور الدولة والجهات الحكومية)

- تدخل الدولة كمنظم للشرائح العقارية يضمن التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية حقوق المواطنين:

- تفعيل دور "اتحاد الشاغلين" وفقاً للقانون 119 لسنة 2008 "إلزام وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية بتطبيق أحكام اتحاد الشاغلين بشكل صارم في القرى السياحية، وعدم السماح لشركات الإدارة بالهيمنة المطلقة دون الرجوع لجمعية عمومية منتخبة من الملاك."

- إعادة تنظيم "عقود الإذعان" والعقود النموذجية:

- تحديد "عقد موحد" يُلزم المطورين بعدم وضع شروط تعسفية تمنع المالك من حق الاستغلال (التأجير) أو تمنحه رسوماً غير مسببة، وإعطاء الهيئات الحكومية صلاحية مراجعة واعتماد لوائح إدارة القرى.

- تأسيس آلية للرقابة المالية على "ودائع الصيانة":

- إلزام الشركات بإيداع فروق رسوم الصيانة وودائعها في حسابات بنكية مخصصة ومستقلة، يخضع صرفها لمراجعة محاسب قانوني مستقل وتقرير سنوي يُعرض علناً على الملاك.

- تيسير التسجيل والشهر العقاري "تسريع إجراءات الشهر العقاري المباشر للوحدات المباعة لحماية المالك من استغلال العقد الابتدائي كأداة للضغط".

  ثانيا : المستوي الإداري والتنفيذي (حلول بين المطورين والملاك)

تعتمد هذه الحلول على إعادة التوازن لعلاقة الطرفين وتنظيم إدارة القرى بأسلوب يتسم بالشفافية وإدخال معايير الحكومة المالية وتنظيم عملية التأجير . 

- إنشاء منصات رقمية موحدة للتأجير والأمن: بدلاً من المنع المطلق للتأجير أو احتكاره، يتم تنظيم عملية التأجير عبر نظام إلكتروني مخصص للقرية يُسجل فيه النزلاء لأسباب أمنية وتنظيمية دون فرض رسوم تعسفية اقتطاعية من المالك.

- تطبيق نظام "الحوكمة والشفافية المالية":إتاحة القوائم المالية والمستندات المؤيدة لمصروفات الصيانة على تطبيق إلكتروني خاص بمالكي القرية لتوضيح أسباب أي زيادة سنوية مطلوب سدادها.

- تشكيل لجان استشارية مشتركة: تأسيس لجنة مكونة من ممثلين عن الملاك وإدارة القرية للاجتماع دورياً وبحث الشكاوى الخاصة بكروت البوابات، الخدمات، والصيانة قبل تصعيدها قضائياً.

ثالثاً: المستوى القانوني والجماعي (دور الملاك)

يعتمد نجاح الحلول على تكاتف الملاك واستخدام الأدوات القانونية المتاحة بإتخاذ عدة إجراءات قانونية لعل أهمها :

-تأسيس رابطة أو إتحاد ملاك رسمي معتمد وتعيين مستشار قانوني ومحاسب قانوني ومدير مالي وتشكيل لجنة إدارية قانونية . 

- تحرير محاضر رسمية فور وقوع تجاوزات والحصول علي أحكام وقتية بفتح البوابات وتوفير الخدمات وسند المطالبة بالتعويض 

-رفع دعاوي بطلان للشروط التعسفية والمطالبة بإلزام المطور بإبراز كشوف الحساب والمطالبة برفض الزيادات وإلغاء بنود عقود الإذعان الباطلة قانوناً.

الخلاصة:

خروج أزمة الساحل الشمالي من النفق المظلم يتطلب تحولاً من نموذج "الإدارة الأحادية المستبدة" إلى نموذج "الشراكة والحوكمة الشفافة"، حيث يحافظ المطور على هوية القرية وقيمتها، مع ضمان حق المالك الدستوري في التصرف والاستغلال الكامل لعقار

 

اسماعيل زايد 
مدرس مساعد بكلية الحقوق جامعة طنطا