رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمد عز يكتب.. مؤتمر طب طنطا وإنسانية الدكتور محمد حنتيرة عميد الكلية

تابعتُ على مدار الأيام الماضية فعاليات مؤتمر كلية الطب بجامعة طنطا، وشاركتُ في جلسته الافتتاحية التي حضرها الدكتور محمد حسين رئيس جامعة طنطا، والسادة نواب رئيس الجامعة، والمستشار السياسي، ووكلاء الكلية، ومديرو المستشفيات، والأساتذة والطلاب. ورأيتُ عن قرب مدى احترام منظّمي المؤتمر للقيادات السابقة من الكلية، وتكريمهم وترحيبهم الخاص بكل من ساهم وشارك على مدار تاريخ الكلية. ولكن ما أثلج صدري وجعل عيني تدمع هو التكريم الخاص لاسم الدكتور الراحل كمال عكاشة نائب رئيس الجامعة السابق، وذكر مناقبه وآثاره وعلمه وإنسانيته.

​كان بؤدي أن أكتب موضوعًا خاصًا عن هذا التكريم وهذه اللقطة الإنسانية، ولكن توالت المفاجآت والإنجازات والجلسات العلمية، والطفرة الإنشائية والطبية والعلمية التي تستحق أن نشيد بها. وعلى مدار الجلسات العلمية والمناقشات والمشاركات وورش العمل والجلسات البحثية، كانت مستشفيات جامعة طنطا وخدماتها الطبية هي العامل المشترك المبهج والمفرح، وكانت روح العائلة والمودة والمحبة والإخاء والعمل الجماعي هي السائدة على كافة فعاليات المؤتمر.

​وخلال المؤتمر الصحفي، كنتُ أستمع لأول مرة لمسؤول يتحدث عن السلبيات وجوانب التقصير متناسيًا الإيجابيات التي لا تُعد ولا تُحصى، وبروح المسؤول كبير العائلة يقول بأعلى صوته: "أُعفي كافة الزملاء والوكلاء ومديري المستشفيات من أي تقصير أو سلبيات وأتحمل وحدي هذا القصور"، ويشيد برجاله وأدائهم ويثني على حسن صنيعهم؛ الأمر الذي جعلني أعترض: "يا معالي العميد، علينا أن نذكر الإيجابيات ثم السلبيات ثم نقارن بينهما"، وأنا على يقين تام أن ما تم إنجازه في الفترة الأخيرة يمحو أي سلبيات ويتنافى تمامًا مع ظاهرة التقصير، والسلبيات الوحيدة التي نقر بها ونعترف بها هي طبيعة بيئة ومسار ومرحلة مثل مستشفى الطوارئ، وعما قريب جداً سيكون هناك بديل لها وهي مستشفى الطوارئ الجديد.

​نجح الدكتور حنتيرة عميد الكلية بعبقرية منفردة في ربط الماضي بالحاضر، والأصل بالفرع، والتاريخ بالمستقبل، والشباب بالشيوخ، وأصل الكلية بمستقبلها، حينما وقف مبتهجًا يحكي عن وثيقة استثنائية تحكي تاريخ إنشاء كلية طب طنطا، بل وتفاخر وتعاظم وهو يستعرض كلمات السادة عمداء الكلية السابقين ممن كان لهم السبق العلمي والإداري عبر مقاطع فيديو مسجلة كان لها الأثر الطيب في نفوس السابقين من القيادات، وبالغ الأثر المعنوي في نفوس الحاضرين وخاصة الطلاب والمشاركين.

​وخلال الجلسة الختامية التي انعقدت بفندق ماريوت بالزمالك، خلع الدكتور محمد حنتيرة عميد الكلية ورئيس المؤتمر كل أوسمة العلم والمناصب، ولم يشغل باله بما يزدحم به ملفه من ألقاب علمية، متحدثًا من قلبه بكل دفء، وفي قلبه شيء من الطمأنينة، متناسيًا أنه على منصة علمية ومتذكرًا إنسانيته فحسب وما يسكبه كطبيب في روح المريض من أمل قبل أن يكتب الدواء، مقدمًا الشكر لكل القائمين على المؤتمر وكل القيادات العلمية والطبية الحاضرة قائلًا نصًا: "أنا أقل حد تعب في المؤتمر ده".

​من هذا المنطلق الإنساني الذي كان عنوانه الإخلاص والتفاني وإنكار الذات، أطل علينا السيد العميد الأستاذ الدكتور محمد حنتيرة، عميد كلية الطب بجامعة طنطا، كأنموذج لطبيب لا يكتفي بأن يكون عالمًا وعميدًا للكلية بل أصرّ أن يكون إنسانًا قبل كل شيء، وقائدًا تتكئ على كتفه المعرفة وتستظل بروحه الرحمة والمودة والمحبة.

​صنع الدكتور محمد حنتيرة من تواضعه وعلمه وحبه لوطنه وجامعته وكليته كاريزما خاصة به لم ينلها أحد قبله، ومشفقٌ أنا على من يأتي بعده؛ فالإنسانية ليست زينة تُعلّق على جدار القول، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي نبض خفي يسري في تفاصيل السلوك اليومي؛ في نظرة، وفي كلمة، وفي طريقة الإصغاء. وكل من اقترب من الدكتور محمد حنتيرة لمس هذا النبض الهادئ في حضوره؛ ذلك الاحترام العفوي للآخرين، وتلك القدرة على الإصغاء.

​وفتح الدكتور محمد حنتيرة في رسائله إلى طلابه نوافذ الضمير، مؤكدًا أن الطب ليس معادلات تُحفظ ولا بروتوكولات تُتبع فحسب، بل هو عهد أخلاقي قبل أن يكون مهنة، وميثاق رحمة قبل أن يكون تخصصًا. ذكّرهم بأن الطبيب الحقيقي هو من يرى في المريض إنسانًا قبل أن يرى فيه حالة، وأن التفوق العلمي إن لم يسنده قلب رحيم يظل ناقصًا مهما بلغ من الدقة والمهارة.

​أثبت عميد الكلية أن الإنسانية ليست زينة تُعلّق على جدار القول، ولا شعارًا يُرفع في خطب المنابر، بل هي ذلك الخيط الرقيق الذي لا يُرى لكنه يُحسّ، يسري في التفاصيل كما يسري الضوء في شقوق الصباح؛ في نظرة تُربّت على القلق، وفي كلمة تُطفئ ارتجافة الخوف، وفي صمتٍ يعرف متى يكون أبلغ من الكلام.

​وكل من اقترب من الدكتور محمد حنتيرة لمس هذا النبض الهادئ في حضوره؛ ذلك الاحترام العفوي الذي لا يتكلف، وتلك القدرة على الإصغاء كأن العالم كله يتسع لصوت واحد، وتلك الأبوة التي تسبق المنصب، وتلك الهمة العالية التي تمشي أمام السلطة لا خلفها.

​تبقى إنسانية الدكتور محمد حنتيرة التي لمستُها عن قرب هي ذلك العطر الخفي الذي لا يُرى لكنه يُحسّ، يسبق اسمه حين يُذكر، ويظل بعده حين يغيب، وهي التي تمنح علمه روحًا، وقيادته معنى، وسيرته امتدادًا في القلوب لا في السجلات.

​بالأصالة عن نفسي، أتقدم بخالص التهنئة للسيد الأستاذ الدكتور محمد حسين رئيس جامعة طنطا، والدكتور محمود سليم، والدكتور حاتم أمين، والدكتور السيد العجوز نواب رئيس الجامعة، وإلى الدكتور محمد حنتيرة عميد كلية الطب، والدكتور محمد جابر، والدكتور محمد البديوي وكيلي الكلية، والدكتور حسن التطاوي المدير التنفيذي للمستشفيات الجامعية، والدكتور محمد سمير مدير المستشفى الفرنساوي، والدكتور أحمد سويلم مدير مستشفى الجراحات، والدكتور معتز صبري مقرر المؤتمر، والدكتورة راجية شرشر، والدكتور محمد مختار مبروك سكرتيرَي عام المؤتمر، والدكتور محمد سرحان، وكافة قيادات وأساتذة طب طنطا والطلاب، على نجاح المؤتمر الحادي والأربعين والذي جاء بروح الأسرة الواحدة وخرج بمعطيات وتوصيات تجعل طب طنطا في مصاف كليات الطب العالمية.