رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

محمود الشاذلي يكتب: صدق أو لا تصدق.. تحديد 50% لقبول الطلاب بكليات الطب في مصر

​على مدى ثلاثة أيام، تعايشت مع الشموخ العلمي، وكنت في رحاب العلماء خلال حضور المؤتمر الـ41 لطب طنطا، الذي يتواكب مع الاحتفال بمرور 75 عامًا على إنشاء الكلية، بمشاركة ودعم العالم الجليل الدكتور محمد حسين، رئيس جامعة طنطا. وكان الأداء عظيمًا ومشرفًا لقامات الطب بطنطا برئاسة الدكتور محمد حنتيرة، عميد الكلية.

​وفي رحاب 17 مستشفى جامعيًا تابعة لطب طنطا، أتواجد دائمًا حيث أسيادي المرضى؛ وهناك يتعاظم الفخر بمستوى الأطباء حتى أحدث طبيب. تلك الثقة ترجع لسنوات من العمر شهدت عظماء طب طنطا الذين أدركتهم، بدءًا من الدكتور عبد الحي مشهور، ووصولًا إلى الدكتور محمد حنتيرة، مرورًا بعميد العمداء الدكتور أحمد غنيم.

​إن اليقين راسخ بأن الحفاظ على هذا المستوى الطبي والعلمي بكليات الطب، مثل طب طنطا، هو واجب وطني لأنه يتعلق بحياة أبناء الوطن. ومن أجل ذلك، انتابني الانزعاج لأنني أدرك يقيناً أن التعليم في مصر يتعرض لمؤامرة خسيسة تهدف إلى تشويهه وتقزيمه وجعله بلا قيمة، والتشكيك في العملية التعليمية برمتها انطلاقًا من كليات الطب.

​وليس أدل على ذلك من محاولة إدخال الحاصلين على 50% إلى كليات الطب؛ وتلك ليست شائعات، أو من نسج الخيال، أو أمورًا أقولها على سبيل التندر، إنما هذا ما كشفت عنه نقابة الأطباء. فقد أصدرت تحذيرًا مما وصفته بـ"الكارثة"، والمتمثلة في قبول طلاب للالتحاق بكليتي طب تابعتين لإحدى الجامعات الدولية التابعة لدولة في شرق أوروبا بمجموع يبدأ من 50%، بما يخالف الحد الأدنى المقرر للالتحاق بكليات الطب الخاصة في البلاد؛ مما جعلها تطالب بضرورة وقف التوسع العشوائي في إنشاء كليات الطب، وعدم السماح بقبول أعداد جديدة إلا وفق ضوابط تضمن جودة العملية التعليمية والتدريب الإكلينيكي.

​فيما خاطبت النقابة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير التعليم العالي الدكتور عبد العزيز قنصوة، للتدخل العاجل وإلزام فروع الجامعات الدولية أو الأجنبية في مصر (مثل بعض فروع الجامعات الروسية المستضافة في القاهرة) -التي تقبل الطلاب بمجموع يبدأ من 50%- بتطبيق الحد الأدنى المقرر للقبول في كليات الطب الخاصة المصرية دون أي استثناءات.

​وتكمن المفارقة في أن الطالب الذي يحصل على 50% يمكنه -وفق ما أثارته التقارير الأخيرة- أن يجد طريقًا إلى دراسة الطب في مؤسسة جامعية دولية داخل مصر، في الوقت الذي تحتاج فيه كليات الطب إلى مستويات مرتفعة من التحصيل العلمي بسبب طبيعة الدراسة ومتطلباتها. يأتي ذلك تأكيدًا من النقابة على أن القواعد المصرية يجب أن تسري على جميع كليات الطب العاملة داخل الأراضي المصرية، أيًا كانت تبعيتها أو جنسيتها أو طبيعتها القانونية، وأنه لا يجوز وجود كليات تعمل داخل الدولة وفق قواعد قبول مختلفة عن باقي الكليات، بما يخلق نظامًا موازيًا يهدد منظومة التعليم الطبي المصرية ويوجد "دولة داخل الدولة".

​وقد تعاظم الإحساس بالتآمر على التعليم في مصرنا الحبيبة مما أدركته من خلل طال منظومة الأداء ببعض كليات الطب، حيث تم اعتماد كليات بلا مستشفيات -لا أعرف كيف حدث ذلك للأسف الشديد!- وكأنها كليات نظرية. لذا يعد وجود كليات طب بلا مستشفيات جامعية كارثة حقيقية تهدد جودة التعليم الطبي وسلامة المرضى؛ إذ يفتقر الطلاب للتدريب العملي والإكلينيكي الأساسي، وهو ما حذر منه الخبراء ونقابة الأطباء، مطالبين بوقف قبول دفعات جديدة في تلك الكليات حتى توفير البنية التحتية والتدريبية الملائمة.

​يقينًا، هناك مخاطر لمنظومة كليات الطب التي تعمل بلا مستشفيات، ولست أنا من حدد معالمها، بل تقارير رسمية تناولتها وحذرت من غياب التدريب العملي، واقتصار اعتماد الطلاب على المناهج النظرية وحدها دون التعامل المباشر مع المرضى في المستشفيات. هذا النظام ستكون نتيجته خريجين بلا مهارات إكلينيكية حقيقية، مما يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين، كما أن هذا التوسع غير المدروس يقلل من قيمة ومكانة الطبيب محليًا وعالميًا، ويضر بسمعة المهنة.

​وقد أحسنت نقابة الأطباء حين طالبت بوقف قبول دفعات جديدة في كليات الطب التي لا تملك مستشفيات جامعية خاصة بها للتدريب، ورفض منح مهلات إضافية دون التزام فعلي بإنشاء مستشفيات مطابقة للمعايير الصحية والتعليمية، وطالبت بضرورة تدخل المجلس الأعلى للجامعات لضمان توافر البنية التحتية الإكلينيكية الكاملة قبل الترخيص أو الاستمرار في قبول الطلاب.

​لا شك أن لتلك المهزلة العلمية جذورًا كارثية كانت لها تداعيات خطيرة؛ إذ رسخ وجودها واقعًا في حياتنا ما شهده العام الدراسي 2026 من موجة واسعة من الجدل، إثر إعلان نتائج الفرقة الأولى بكليات الطب البشري في بعض جامعات صعيد مصر، مثل جامعة أسوان بنسبة نجاح 23.9%، وجامعة سوهاج بنسبة رسوب نحو 49%، وجامعة جنوب الوادي بقنا بنسبة رسوب 67%، وسط تأكيدات من إدارات الجامعات بأن الامتحانات تمت بشفافية وفق اللوائح الأكاديمية الثابتة.

​كيف لهذا؟ تناوُلٌ آخر.. فتابعوني.