سيذكر التاريخ أن الرئيس السيسي انحاز للمواطن البسيط وطالب بعبقرية جميع المسؤولين -خاصة الوزراء والمحافظين- أن يستمعوا له ويرفعوا عنه المعاناة في التو واللحظة دون إبطاء، كما سيذكر التاريخ دعم الرئيس السيسي للصحافة؛ حيث أكد مراراً وتكراراً على احترام الدولة المصرية ودعمها لدور الصحافة في بناء الوعي الوطني ونشر الحقائق، وصون الدولة من حملات التضليل، كما صرح الرئيس السيسي مراراً بأن الدولة تحترم وتقدر دور الإعلام وتتيح له العمل بحرية، وأكد قبل شهرين على فتح المجال أمام الإعلام الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، وعقد اجتماع سنوي مع الهيئات الإعلامية في 3 ديسمبر لمناقشة التحديات والفرص.
ولعله من الأهمية بمكان إدراك أن منطلق الرئيس بالتأكيد على احترام الدولة المصرية ودعمها لدور الإعلام والصحافة جاء لتنبيه المسؤولين قبل المواطنين بتلك الثوابت الهامة، خاصة بعد أن أصبحت الصحافة دائماً مظلومة ومفترى عليها؛ فالبعض من المسؤولين يمتعضون عندما نوجه لهم نقداً رغم أن منطلقه حقائق، ومفرداته جاءت في إطار من الموضوعية والاحترام، أو نشير إلى خلل طال الأداء بغية التصويب، أو ننبه لتداعيات الأداء الضعيف قبل أن يستفحل ويكون عصياً على الحل، أو نطرح هموم المواطن بصدق انطلاقاً من واقع الحياة. إن مرجع امتعاضهم أنهم يرون أنفسهم منزهين عن الخطايا، ولم يدركوا أن هذا بحق الأنبياء فقط، أما هم فإنهم بشر؛ لذا فالخطأ وارد وطبيعي في حقهم، لكن غير الطبيعي ألا يصوبوه. والغريب أنهم يريدون أن يكونوا هم مكتشفي كل ذلك وهذا من المستحيلات، فيعطون لما نطرحه كصحفيين ظهورهم فيتفاقم الأمر ويترسخ الإحباط. في المقابل، يتهمنا المواطن بالتطبيل والزمر ونفاق المسؤولين -خاصة المحافظين- عندما نطرح أمراً إيجابياً أتوا به، أو تصرفاً سليماً لهم، أو نجاحهم في القضاء على أزمة حقيقية، دون إدراك أن هذا واجب على الصحافة ترسيخاً لأمانة القلم والمصداقية. الأمر الذي يكون معه من الضروري التوضيح للمسؤولين -وفي القلب منهم المحافظون- قبل المواطنين، أن الرسالة الأسمى للصحافة تتمثل في أن تكون صوت من لا صوت له، والمرآة الصادقة التي تنقل نبض الشارع وهموم المواطن، بجانب دورها الرقابي الحازم في مواجهة الفساد وكشف القصور الإداري؛ حيث تقوم الصحافة الحقيقية بصياغة هذه الرسالة من خلال ثلاثة محاور رئيسية: رصد الواقع اليومي من خلال نقل التحديات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطن العادي بكل أمانة وموضوعية، وتحويل الأرقام والإحصاءات الجافة إلى قصص إنسانية تلمس الوجدان وتجبر المسؤول على الانتباه والتحرك، وتقديم الحلول بالتعاون مع الخبراء والمختصين.
وانطلاقاً من ذلك، يكون من الأهمية أن يدرك كل هؤلاء المسؤولين -خاصة المحافظين- أن الصحافة ليست مجرد أداة لنقل الأخبار، بل هي أمانة ومسؤولية وطنية؛ تكتسب مشروعيتها وثقة الجمهور بمقدار انحيازها لقضايا المواطن، وشجاعتها في كشف مواطن الخلل دون مواربة، فهي السلطة الرابعة انطلاقاً من ممارسة الدور الرقابي المستقل كشريك في حماية المال العام ومقدرات الوطن، وتكشف المستور من خلال تتبع قضايا الفساد المالي والإداري، واستغلال النفوذ، والرشوة، مدعمة بالوثائق والأدلة الدامغة، وتعمل على تعزيز الشفافية من خلال نشر الوعي بحقوق المواطن وواجبات المسؤول، مما يخلق بيئة مجتمعية ترفض الفساد وتدعم النزاهة، بل إنها تتولى مواجهة القصور والبيروقراطية من خلال مواجهة أصحاب القرار بالتقصير في قطاعات الخدمات الأساسية مثل الصحة، والتعليم، والبنية التحتية، ومراقبة الخطط الحكومية المعلنة ومقارنتها بما يتم إنجازه فعلياً على أرض الواقع (وهذا ما يعرف بمتابعة الوعود)، وتعمل على فتح قنوات اتصال وخلق جسر مباشر بين المواطن والمسؤول لحل الأزمات قبل تفاقمها.
سعدت كثيراً قبل أيام حين وجّه الدكتور مصطفى مدبولي -رئيس مجلس الوزراء- بضرورة إعطاء شكاوى المواطنين أولوية قصوى، وذلك بتفعيل غرف العمليات ومراكز خدمة المواطنين، مع تحليل الشكاوى وليس مجرد تلقيها، للتأكد من إزالة أسباب الشكوى، وتحسين جودة الخدمات اليومية المقدمة لأبناء كل محافظة. كما أشار رئيس الحكومة في اجتماع مجلس المحافظين بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة إلى محور التواصل المجتمعي ورفع الأداء الحكومي؛ حيث أكد على ضرورة المتابعة الشخصية من كل محافظ لملفات النظافة، والإنارة، وتحسين الطرق الداخلية، والارتقاء بخدمات مياه الشرب والصرف الصحي، ومنع الإشغالات وضبط المواقف بشكل حضاري، مع التأكيد على ترشيد استهلاك الكهرباء داخل المباني الحكومية.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة منال عوض -وزيرة التنمية المحلية والبيئة- على المحافظين ضرورةَ التفاعل الفوري والجاد مع شكاوى المواطنين وسرعة حلها على أرض الواقع، مع إعطاء شكاوى الاحتياجات اليومية للمواطنين أولوية أولى عبر تفعيل غرف العمليات ومراكز خدمة المواطنين، وتحليل أسباب الشكاوى وعدم الاكتفاء بالتلقي فقط لضمان إزالة أسبابها نهائياً، ومتابعة ملفات النظافة، ورفع المخلفات، والإشغالات، والتعديات على الأراضي الزراعية بشكل مباشر.
لقد بات من اليقين أن تحرك المسؤولين -وفي القلب منهم المحافظون- فيما يتعلق بالتصدي لما يعانيه المواطن في حاجة إلى ضبط إيقاع سريع، وكذلك فإن تناغمهم مع ما تطرحه أقلامنا من هموم الناس ومشاكلهم وقضايا المجتمع، والتصدي للفساد، هو محل نظر بسبب ترسيخهم نهج التجاهل. من هنا، كان هذا التجاهل لما تطرحه الصحافة أمراً معيباً لا يليق بموقعهم الوظيفي الرفيع الذي من ثوابته التناغم بكل الكيان، ممزوجاً بالسرعة في التفاعل مع ما يُطرح، ليس تفضلاً منهم بل واجباً حتمياً؛ لأن منطلقه توجيهات الرئيس السيسي، ورئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي، ووزيرة التنمية المحلية الدكتورة منال عوض، تعظيماً وإدراكاً لأهمية دور الصحافة، والتفاعل السريع مع هموم المواطنين.
خلاصة القول.. في تقديري أن تجاهل المسؤولين لما نطرحه ونرصده كصحفيين بشأن قضايا المجتمع وهموم المواطنين مردّه ظنهم وثقتهم أن الرئيس السيسي، ورئيس الحكومة، ووزيرة التنمية المحلية، لن يصلهم ذلك ولن ينتبهوا إلى هذا النهج البغيض. بل إن هذا تفكير معيب بحق، لأن لدينا أجهزة على مستوى المسؤولية الوطنية ترصد بدقة، وتعرض بشفافية. وإمعاناً في الشفافية بطرح وقائع محددة، أحيل إليها وإلى الرئيس السيسي، ورئيس الحكومة، ووزيرة التنمية المحلية ما سبق وأن طرحته منذ أيام في مقالي اليومي بشأن كارثة المخطط الاستراتيجي للشوارع، تلك المصيبة التي حلت على رؤوس أبناء الغربية -وفي القلب منهم بلدتي بسيون- واضعاً أمامهم وتحت تصرفهم نماذج صارخة تزلزل الكيان، ومأساة "التوكتوك" الذي فاز في بلدتي بسيون على الحكومة بالقاضية كما استقر في يقين وضمير المواطن البسيوني، متمنياً سرعة التحرك بعد أن أدركت امتعاضاً شديداً لدى المواطنين إلى الدرجة التي يكاد فيها يقتنع المواطن البسيط أننا نعيش في مجتمع المتناقضات، تأثراً بما يتم تدشينه من جولات للمحافظين نسمع فيها الزغاريد والبروباجندا دون أن يكون منطلق هذا الأداء التفاعل مع همومه، وإحتواء أهالينا الطيبين الذين اعتراهم الإحباط بعد أن أدركوا أن ما ورد عن الرئيس، وما جاء من رئيس الحكومة، وما أكدت عليه وزيرة التنمية المحلية لا مردود إيجابياً له على همومهم ومشكلاتهم.