رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور محمد سيد أحمد يكتب: فرنسا تسقط في امتحان الديموقراطية !!

لم تكن فرنسا يومًا غريبة عن احتجاجات الطلاب، فالحركة الطلابية جزء مهم من تاريخها السياسي والاجتماعي الحديث. ولعل أشهر محطاتها كانت أحداث مايو 1968، عندما خرج طلاب الجامعات إلى الشوارع احتجاجًا على أوضاع التعليم وعلى بنية المجتمع والسياسات السائدة آنذاك، ثم سرعان ما انضم إليهم العمال والنقابات، وتحولت المظاهرات إلى إضراب عام هز الجمهورية الفرنسية. ولم تكن تلك الأحداث مجرد خلاف بين الطلاب والسلطة، بل كانت لحظة تاريخية كشفت قدرة الشباب على تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى قوة سياسية مؤثرة. وتكرر هذا الدور في احتجاجات الطلاب عام 1986 ضد إصلاحات التعليم، ثم في عام 2006 عندما شارك مئات الآلاف في الاحتجاج على قانون العمل الجديد. وهكذا ظل الطالب الفرنسي، عبر عقود، أحد أهم الفاعلين في الشارع السياسي الفرنسي.

ومن هذه الخلفية التاريخية يجب النظر إلى ما يجري اليوم في فرنسا، حيث خرج الطلاب في احتجاجات واسعة اعتراضًا على أوضاع التعليم، ونقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتراجع مستوى المؤسسات التعليمية. وما بدأ بمطالب طلابية واجتماعية أخذ يتحول تدريجيًا إلى مواجهة مع السلطات، خصوصًا بعد تدخل الشرطة واستخدام وسائل القوة لتفريق المحتجين. ووفق تقارير حديثة، امتدت الاحتجاجات إلى أعداد كبيرة من المدارس، ووقعت مواجهات واعتقالات، فيما تحدثت منظمة العفو الدولية عن استخدام القوة بصورة غير ضرورية أو غير متناسبة في بعض الحالات. كما أثارت إصابة فتى في الخامسة عشرة من عمره خلال الاحتجاجات انتقادات واسعة، وأعلنت السلطات تعليق استخدام بعض وسائل التفريق. وهذه الوقائع تضع فرنسا أمام اختبار حقيقي لشعارات الحرية وحقوق الإنسان التي طالما قدمتها للعالم.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن القضية ليست فقط قضية طلاب يحتجون، وإنما قضية علاقة بين المجتمع والدولة. فعندما يخرج الشباب إلى الشارع مطالبين بحقوقهم، فإنهم يمارسون شكلًا من أشكال المشاركة السياسية خارج المؤسسات التقليدية. والسلطة الديمقراطية لا تختبر فقط عندما يفوز حزب في الانتخابات أو عندما تعمل المؤسسات الدستورية، وإنما تختبر أيضًا عندما يخرج المواطنون للاعتراض على سياسات الدولة. وهنا تظهر المشكلة في التعامل السلطوي مع الاحتجاج؛ فعندما يصبح صوت الطالب مصدر إزعاج للسلطة، تتحول المطالبة بالحوار إلى قضية أمنية، ويصبح رجل الشرطة حاضرًا بدلًا من المسؤول الذي يستمع إلى المطالب. وهكذا يتحول الاحتجاج من حق سياسي واجتماعي إلى مشكلة أمنية، وهو تحول يكشف حدود الممارسة الديمقراطية عندما تتعارض مطالب المجتمع مع خيارات السلطة.

والأخطر من ذلك أن الدولة التي تتحدث كثيرًا عن حقوق الإنسان يجب أن تكون أكثر حرصًا على احترام هذه الحقوق داخل حدودها. فمن غير المقبول أن نسمع خطابًا فرنسيًا وأوروبيًا طويلًا عن الديمقراطية وحرية التعبير وحق التظاهر عندما يتعلق الأمر بمجتمعات أخرى، ثم نشاهد التعامل الأمني العنيف مع المحتجين عندما يصبح الاحتجاج داخل فرنسا نفسها. وإذا كانت حقوق الإنسان فعلًا حقوقًا عالمية، فلا يجوز أن تتغير قيمتها بتغير المكان أو جنسية الإنسان. فالطالب الفرنسي الذي يخرج إلى الشارع مطالبًا بحقه في التعليم والكرامة لا يفقد حقه في الاحتجاج لأنه يعيش في باريس، كما أن المواطن العربي لا ينبغي أن تكون حقوقه أقل قيمة لأنه يعيش في القاهرة أو دمشق أو تونس أو أي عاصمة عربية.

وهنا تتكشف واحدة من أكثر صور الازدواجية وضوحًا في الخطاب السياسي الغربي. لقد صدعتنا الحكومات الغربية، وفي مقدمتها فرنسا، بالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، واستخدمت هذه المفاهيم في الضغط على الدول العربية، بل وجعلتها أحيانًا مبررًا للتدخل السياسي في شؤوننا الداخلية. لكن الأحداث الحالية تطرح سؤالًا بسيطًا: ماذا يحدث عندما يطالب الفرنسيون أنفسهم بحقوقهم؟ هل تصبح الديمقراطية حقًا فقط عندما يكون المحتج عربيًا؟ وهل يصبح استخدام القوة مبررًا عندما يكون المتظاهر فرنسيًا؟ إن المبدأ الحقيقي لحقوق الإنسان هو ألا تكون هناك معايير مزدوجة؛ فالاعتداء على المتظاهر مرفوض سواء وقع في باريس أو القاهرة، والقمع لا يصبح ديمقراطيًا لمجرد أن السلطة التي تمارسه تتحدث باسم الجمهورية والقانون.

ومن الناحية السوسيولوجية، فإن استخدام القوة لا ينهي بالضرورة الاحتجاج، بل قد يؤدي إلى توسيعه. فالقمع يمكن أن يحول مجموعة من المطالب المحدودة إلى قضية عامة، خصوصًا عندما يشعر الشباب بأن السلطة لا تريد سماعهم وإنما تريد إسكاتهم. وهذا ما يفسر تاريخيًا قدرة الحركات الطلابية الفرنسية على الانتقال من قضية جامعية إلى قضية اجتماعية وسياسية. ففي مايو 1968 لم تستطع الشرطة وحدها إنهاء الاحتجاج، لأن القضية تجاوزت الطلاب وأصبحت مرتبطة بأسئلة أكبر حول السلطة والعدالة والمجتمع ومستقبل الأجيال الجديدة. ولذلك فإن التعامل الأمني مع الطلاب اليوم يحمل خطر إعادة إنتاج المنطق نفسه: كلما زادت القوة، زاد الشعور بأن الدولة لا تريد الحوار.

إن تاريخ فرنسا نفسه يقدم درسًا واضحًا: الطالب ليس مجرد شخص داخل مدرسة أو جامعة، وإنما يمكن أن يصبح فاعلًا سياسيًا عندما يشعر بأن مستقبله مهدد. ومن مايو 1968 إلى احتجاجات 1986 و2006، أثبتت الحركة الطلابية الفرنسية أنها جزء من الحياة السياسية وليست ظاهرة هامشية. ولذلك فإن مواجهة الطلاب بالعنف بدل الاستماع إليهم تمثل تراجعًا عن الروح التي طالما تباهت بها الجمهورية الفرنسية. والمشكلة هنا ليست في حق الدولة في حماية الأمن العام، وإنما في استخدام هذا الحق بصورة تجعل الأمن مقدمًا على حرية التعبير والاحتجاج.

إن ما يجري في فرنسا اليوم يجب أن يدفعنا إلى إعادة النظر في الخطاب الذي طالما سمعناه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. نحن لا نحتاج إلى الشماتة بفرنسا، بل إلى مطالبتها بتطبيق المبادئ التي طالبت الآخرين بتطبيقها. فحقوق الإنسان لا تتجزأ، والديمقراطية لا تكون ديمقراطية فقط عندما تخدم السلطة أو عندما تستخدم لمحاسبة المجتمعات الأخرى. وإذا كانت فرنسا تريد أن تستمر في تقديم نفسها بوصفها بلد الحرية والمساواة والإخاء، فعليها أولًا أن تثبت ذلك في شوارعها، أمام طلابها وشبابها. فالتاريخ الفرنسي نفسه يقول إن الطالب الذي يقمع اليوم قد يصبح غدًا أحد الأصوات التي تصنع تاريخ بلاده، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

بقلم/ د. محمد سيد أحمد