بعد عناء عمل متواصل ليوم طويل جدًا، امتلأ فيه صدري بلهيب الهواء الحار، لم أشعر بنفسي إلا وأنا ألقي بجسدي على سريري، أبحث عن لحظة هدوء تنسيني ضجيج الحياة وصخبها. أغمضت عيني، واستسلمت لنوم عميق، كأنني أهرب من عالم يطالبني بالكثير، ولا يمنحني سوى القليل من الراحة. غفوت ساعات، أو هكذا خُيّل إليّ، حتى باغتتني صحوة غريبة، لا أعرف لها سببًا، وكأن شيئًا خفيًا يناديني من بعيد.
تفتحت عيناي على نسمة جميلة قادمة من شباك البلكونة، داعبت نسمات الليل أطرافي، وحملت إليّ شيئًا من الراحة بعد يوم طويل من التعب والإرهاق. نهضت من فراشي بنشاط لم أعهده في نفسي، وكأنني تخلصت فجأة من ثقل الأيام. أخذت أبحث عن شيء كنت قد قررت أن أفعله، شيئًا كان يشغل تفكيري طوال النهار، لكنني، ويا للعجب، نسيت ما هو!
وقفت في منتصف الغرفة، أحدق في الأشياء من حولي، وأحاول أن أستعيد خيوط الفكرة التي أفلتت من ذاكرتي. فتحت درج مكتبي، وقلبت بعض الأوراق، ثم أعدتها إلى مكانها، وجلست على مقعدي أسترجع أحداث يومي، لعلني أعثر على طرف خيط يقودني إلى ما أبحث عنه.
أخذت ألوم نفسي على هذا النسيان الغريب الذي يلاحقني منذ فترة. قلت لنفسي: لعل قدحًا من الشاي يعيد إليّ ذاكرتي، ويوقظ في رأسي ما غاب عنها. أعددت الشاي وجلست أرتشفه ببطء، أراقب البخار المتصاعد منه وهو يتلاشى في الهواء، لكن هيهات! لم تعد إليّ الفكرة، بل ازداد إلحاحها في رأسي، وكأنها تتعمد الاختباء مني.
بدأت أحدث نفسي عن هذا الشيء الغامض: ماذا عساه يكون؟ ولماذا لم يأتني بعد؟ هل ضل طريقه إلى رأسي، أم أنه تمرد عليّ وقرر ألا يظهر إلا حين يشاء؟ ربما هو عقلي الذي أرهقته الأيام، أو ذاكرتي التي ضاقت بما أحمله إليها من هموم وأفكار. قلت لنفسي ساخرًا: ألهذه الدرجة أصبحت مشغولًا حتى أنسى ما أريد أن أفعله؟ أم أن الحياة، بما تفرضه علينا من مسؤوليات، تسرق منا أبسط الأشياء دون أن نشعر؟
وبينما كنت غارقًا في حيرتي، اقتربت مني ابنتي الصغيرة بوجهها البريء وابتسامتها الجميلة، فأخذت أداعبها وأمازحها، لعل ضحكتها تبدد شيئًا من غموضي. كانت لحظات قصيرة، لكنها منحتني شعورًا بالراحة، وأعادت إلى قلبي دفئًا افتقدته وسط انشغالي الدائم. أدركت حينها أن بعض الأشياء الجميلة لا تحتاج إلى ترتيب مسبق، وأن السعادة قد تأتي في لحظة عابرة، دون أن نبحث عنها أو نخطط لها.
عدت إلى مكتبي، وأخذت أتأمل أوراقي المتناثرة، فإذا بعيني تقع على ورقة قديمة، كُتبت عليها كلمات متفرقة بخط يدي. أمسكت بها وبدأت أقرأ، وفجأة شعرت بأن شيئًا ما يتحرك في أعماقي. تذكرت! نعم، تذكرت أخيرًا ذلك الشيء الذي أرهقني البحث عنه طوال الليل.
إنها الفكرة الملعونة التي قضيت ساعات أحاول استعادتها، الفكرة التي أردت أن أكتب عنها موضوعًا جديدًا لجريدتي. ابتسمت في دهشة، وعاتبت نفسي على سخطي ولعني إياها، وكأن الفكرة كائن حي هرب مني ثم عاد ليصالحني.
جلست إلى مكتبي، وأمسكت قلمي، وبدأت أكتب. راحت الكلمات تتدفق على الورق، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن. أدركت أن الأفكار، مثل الطيور، قد تحلق بعيدًا، لكنها تعود حين نمنحها بعض الهدوء والصبر.
وهكذا، عادت الفكرة إلى مكانها بين سطوري وأوراقي المتناثرة هنا وهناك، وتركتني أتساءل: كم من الأشياء الجميلة تضيع منا وسط زحام الحياة، وكم من الأفكار تنتظر منا لحظة صدق وهدوء حتى تولد من جديد؟
ربما لا نحتاج دائمًا إلى مزيد من الجهد لنصل إلى ما نريد، بل نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف قليلًا، ونصغي إلى أنفسنا، ونترك للذاكرة فرصة كي تفتح نوافذها المغلقة.
ففي بعض الأحيان، لا تكون المشكلة في غياب الفكرة، بل في ضجيج الحياة الذي يحجب صوتها عنا.