في يوم ميلادي، لا أريد أن أحتفل بعام مضى بقدر ما أريد أن أهديكم بعضًا مما علمتني إياه تجارب الحياة فمع مرور السنوات، نكتشف أن النضج ليس في كثرة ما نعرفه، بل في قدرتنا على فهم الناس، وحسن الاختيار، ومعرفة من يستحق القرب، ومن الأفضل أن نترك بيننا وبينه مسافة تحفظ لنا سلامنا وكرامتنا، تعلمت أن ليس كل من يقترب منك يحبك، ولا كل من يبتسم في وجهك يتمنى لك الخير، ولا كل من يشاركك الحديث يستحق أن تأمنه على أسرارك، فبعض العلاقات تمنحك القوة، وبعضها يستنزف روحك ببطء، حتى تجد نفسك غارقًا في مشكلات الآخرين، بعيدًا عن أحلامك وأهدافك، فالنجاح في الحياة لا يحتاج إلى الاجتهاد والصبر فقط، بل يحتاج أيضًا إلى حسن اختيار من تسمح لهم بالاقتراب منك، فبعض الأشخاص يمنحونك القوة لتكمل الطريق، وآخرون يستنزفون طاقتك، ويطفئون حماسك، ويجعلونك تنشغل بمشكلاتهم عن أحلامك.
احذر من هؤلاء: الإنسان السلبي كثير الشكوى، الذي لا يرى في الحياة إلا العيوب، ولا يتحدث إلا عن الأزمات، ولا يمنحك من الحديث سوى الإحباط، ساعد من يبحث عن حل، لكن لا تسمح لأحد أن يحولك إلى مخزن دائم لأحزانه، وعاشق دور الضحية، الذي لا يعترف بخطئه، ويلقي مسؤولية فشله دائمًا على الظروف والآخرين، هذا لا يريد أن يتغير بقدر ما يريد من يتحمل عنه نتائج اختياراته، تذكر أن يدك تستطيع مساعدة من يريد النهوض، لكنها لن تحمل إلى الأبد من يرفض الوقوف، والكاذب الذي تتبدل رواياته بتبدل مصالحه، ويطلب منك الثقة بينما لا تمنحك مواقفه ما يستحقها لا تقِس الناس بحلاوة الكلام، بل بثبات المواقف، فالثقة تُبنى بالأفعال، وقد تهدمها أكذوبة واحدة، خصوصًا إذا تكررت، والمستغل الذي لا يتذكرك إلا حين يحتاج إليك، ثم يغيب عندما تحتاج إليه، لا تجعل طيبتك بابًا مفتوحًا لاستنزافك، ولا تشعر بالذنب لأنك قلت «لا» لمن اعتاد أن يأخذ دون أن يقدّر ما تمنحه، واحذر أكثر من شخص يضيق بنجاحك، فيقلل من إنجازك أو يتمنى تعثرك ويشكك في قدراتك، وربما يحاول تعطيلك أو تشويه صورتك فليس كل ناقد حاسدًا، لكن من يتعمد إيذاءك لا يستحق أن تمنحه تفاصيل حياتك أو أن تسمح له بسرقة فرحتك بما حققته، ومن كسول يسخر من طموحك لأنه عاجز عن ملاحقة أحلامك، فهو لا هدف له ويحارب أهداف الآخرين، يصف اجتهادك بالمبالغة، ويقنعك بأن المحاولة لا تستحق فلا يشترط أن يكون المحيطون بك ناجحين بالمعايير نفسها، لكن لا تسمح لأحد أن يحول عجزه عن التقدم إلى سبب لتوقفك، أما أخطرهم بل أسوأهم، فهو النمام الذي يصنع مكانته بأكاذيب الآخرين، ينقل الكلام، ويحرّف الحقائق، ويوقع الناس بعضهم في بعض، سعيًا إلى مصلحة أو منصب، ولو كان الثمن كرامته وسمعة من حوله لا تكن أداة في يد هذا النوع، ولا تحكم على إنسان من كلام نقله خصم أو صاحب مصلحة ولا تجعل له من كلامك نصيب وفي حياتك مكان.
فاختر راحتك دون أن تفقد إنسانيتك لا أدعوك إلى كراهية الناس أو سوء الظن بالجميع، بل إلى أن تكون طيبًا بوعي، ومتسامحًا بحدود، وواثقًا دون سذاجة فليس كل خطأ يستوجب القطيعة، لكن تكرار الأذى بعد وضوحه يستوجب إعادة النظر في العلاقة فلا تمنح ثقتك بلا حساب، ولا تضع أسرارك في أيدٍ لا تأمنها، ولا تهدر عمرك في تبرير نفسك لمن قرر ألا يفهمك، تعلّم أن تقول «لا» دون شعور بالذنب، وأن تنسحب بهدوء حين يصبح البقاء استنزافًا، وأن تدرك أن بعض المسافات ليست قسوة، بل احترام للنفس، ولكن إياك أن تتحول تجاربك إلى قسوة، أو أن تدفعك خيباتك إلى الشك في الجميع، فليس كل ناقد حاسدًا، ولا كل غائب جاحدًا، ولا كل من أخطأ في حقك عدوًا، الحكمة في أن تفرّق بين زلة عابرة وطبع متكرر، وبين إنسان أخطأ ويريد الإصلاح، وآخر يتعمد الأذى ولا يرى فيك إلا مصلحة، وفي يوم ميلادي، أذكّر نفسي قبلكم بأن العمر أثمن من أن يُهدر في علاقات تستنزفنا، وأن راحة البال ليست رفاهية، وأن النجاح لا يحتاج إلى كثرة المحيطين بك، بقدر ما يحتاج إلى أشخاص صادقين يفرحون لك، وينصحونك دون أن يحطموك، ويقفون إلى جوارك دون أن ينتظروا مقابلًا، وربما تكون أهم هدايا السنوات أن نتعلم مراجعة أنفسنا قبل محاسبة الآخرين، وأن نصلح عيوبنا قبل أن ننشغل بعيوبهم، وألا نسمح لأحد أن يجعلنا نسخة من الأشخاص الذين آلمونا.
الحياة أقصر من أن تقضيها في علاقات تستنزفك، والنجاح أثمن من أن تتخلى عنه لإرضاء المحبطين، اختر من يفرح لك، وينصحك بصدق، ويحترم غيابك كما يقدّر وجودك، وفي عام جديد من عمري، أتمنى أن أكون أكثر حكمة لا أكثر قسوة، وأكثر هدوءًا لا أقل إحساسًا، وأن أتعلم متى أقترب، ومتى أبتعد، ومتى أسامح، ومتى أكتفي بالصمت والرحيل، فـ عِش طيبًا دون سذاجة، وناجحًا دون غرور، ومتسامحًا دون أن تسمح لأحد باستغلالك، فليست العبرة بمن يبقى حولك، بل بمن يبقى صادقًا معك، ولا بمن يصفق لنجاحك، بل بمن لا يحاول إطفاء نورك حين تتألق، اللهم اجعل ما تبقى من العمر خيرًا مما مضى، وارزقنا قلوبًا نقية، وبصيرة تميز الصادق من المتلون، وراحة بال لا تعكرها ضوضاء البشر، ونجاحًا لا نفقد في سبيله أنفسنا، فاحفظ أسرارك، واحترم وقتك، ولا تدخل كل معركة، ولا تستهلك عمرك في محاولة إرضاء من لا يريد لك الخير، والأهم أن تراجع نفسك دائمًا، حتى لا تتحول يومًا إلى الشخص الذي تحذر الآخرين منه.
وفي النهاية أقولها بملئ الفم والقلب: احذر هؤلاء.. فبعض العلاقات تستنزف عمرك وتسرق سلامك...