الهدية جسر للمحبة وقنطرة للمودة، وتغذية لمشاعر الألفة، وتَجديد للعواطفـ وتعزيز للعلاقات الإنسانية، وشعور بالتقدير، وإحياء للذكريات الجميلة، ومزيلة للملل في العلاقات، وتقليل للخلافات خصوصاً الزوجية، وتحفيز للسلوك الإيجابي وتنمية للمواهب خصوصاً مع الأطفال، حيث تُنَشِّط مراكز المكافأة في الدماغ.
ومن سِحر الهدية أنها تنزع الحقد من قلب الكارهين وتغرس مكانها صفاء ووداداً، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[فصلت: 34]، فكيف بسِحرها في قلوب المحبين ومفعولها في نفوس المخلصين! فالهدية تشتت الانتباه عن عيوب بعضنا، وتخلق جوًا يفوح عطراً من التواصل والإخاء.
إِنَّ الهَدِيَّةَ حُلْوَةٌ … كَالسّحْرِ تَجْتَذِبُ القُلُوْبَا
تُدْنِي البَغِيْضَ مِنَ الهَوَى … حَتَّى تُصيِّرَهُ قَرِيْبَا
وَتُعِيْدُ مُصْطَنِعِ العَدَاوَةِ … بَعْدَ نَفْرَتِهِ حَبِيْبَا
ولهذا حببنا النبي صلى الله عليه وسلم في التهادي، فقال: "تهادوا تحابوا"، وأمر بقبول الهدية، فقال: "أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية"، فردها يوغر الصدر ويؤلم النفس، ونهى صلى الله عليه وسلم عن احتقار الهدية ولو يسيرة، فقال: "يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارةٌ جارتها ولو فرسن شاة" أي حافر شاة لا وزن له، فاقبلوا الهدايا تطييباً لخاطر المُهدي وإشعاراً له بإنسانيته ومكانته، بل حث صلى الله عليه وسلم على زيادة عطر المحبة كماً وكيفاً من خلال شكر المُهدي ورد جميله، فقال: "من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه".
وكانت هذه الوصايا منهجاً عملياً في حياته صلى الله عليه وسلم، فكان "يقبل الهدية ويُثِيب عليها"، ويبادل المحبة بمثلِها، والمودة بأختِها، ويرد الجميل بأجمل منه، ويعيد المعروف بأفضل منه، ولا ينسى الجميل أبداً، ويقول: "لو دعيت إلى كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت".
وأعظم ما في الهدية أن تأثيرها الرائع يرجع إلى المُهدي نفسِه، حينما يعود إلى قلبه شعور الفرح والرضا، أكثر مما لو أنفق مال الهدية على نفسه مباشرة.
وعَمَّمّ النبي صلى الله عليه وسلم الهدايا وجعلها سلوكاً إنسانياً يشمل المسلمين وغير المسلمين، فيقبل صلى الله عليه وسلم هدايا غير المسلمين، كما قَبِل هدايا أُكَيْدرَ دُومَةَ الْجَنْدَلِ، وقَبِل هدايا المقوقس عظيم مصر، وحث القرآن الكريم على إهداء غير المسلمين المُسالِمين، فقال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة:8]، وكانت أُم أسماء بنت أبي بكر الصديق غير مسلمة، فرغبت أسماء في إهداء أُمها وصِلتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "صلي أمك"، والبر والوصال يعم الهدايا وغيرها.
وتبقى الهدية برهانا صادقاً على علاقة قوية ومتينة؛ ولهذا حذر الشرع الحنيف من تكدير صفو الهدية، أو أن يُراد بها غير مقاصدها السامية، أو أن يَطلب المُهدي بعطائه ما لا يستحق وهي بذلك تتحول إلى الرشوة المذمومة، التي تجلب العداء واللعن، فقد لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ، كهدايا القُضاة والموظفين؛ ولذلك قيل لـ عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! مالك لا تقبل الهدية وقد قبلها رسول صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: "إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، وإنها اليوم رشوة.