رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الشيخ أبو بكر الجندي يكتب: الظلم ظلمات

قال ابن فارس عن أصل ظلم في اللغة، وأنه مشتق من أصلين صحيحين، أحدهما الظلام وهو خلاف الضياء والنور، والآخر وضع الشيء في غير موضعه تعدياً، والمعنى الثاني يؤدي إلى المعنى الأول، والظلم يؤدي حتماً إلى الظلام، كما قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة"، ومن الظلم التعدي على أموال الناس أو دمائهم أو أعراضهم، أو إيذاء الغير بالضرب والإهانة والشتم والقذف، وغير ذلك من أنواع الظلم والظلمات. 
والظلم قاتل للإنسانية وذابح للآدمية، ولهذا مقته وذمه كل الشرائع السماوية والفِطَر البشرية؛ ولهذا حرمه الله تعالى على كل الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأعراقهم وأديانهم، كما حرمه الله تعالى على نفسه، فقال تعالى في الحديث القدسي: "إنِّي حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تَظَالَموا"، ومن عاقبة الظلم السيئة استجابة دعوة المظلوم على ظالمه؛ ولهذا حذرنا رسول الإسلام منه ومن عاقبته، فقال: "واتَّقِ دعوةَ المظلوم، فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب"، لأن من اكتوى بلهيب الظلم وأحرقت أحشائه نار الجُرم يدعوا الله تعالى من أعماق قلبه على ظالمه فيستجيب الله دعاء المظلوم والمكلوم.
ولقد قرن كتاب الإسلام الأول بين الظلم والجهل، فقال تعالى عن الأمانة: {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ‌ظَلُومًا ‌جَهُولا}[الأحزاب: 72]، وذلك لأن من أهم دوافع الظلم هو الجهل، ولو يعلم الظالم عاقبة الظلم ما ظلم ولا طغى، ولو علم الظالم ما تخفيه له الليالي ما تعدى ولا بغى. 
ويهدد النبي صلى الله عليه وسلم الظالمين بعين الله التي لا تنام فيقول النبي: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ولهذا كان من رحمة الله تبارك وتعالى أن يمهل الظالمين ويؤخر المعتدين حتى يتوبوا ويستيقظوا من غفلتهم، ويردوا المظالم إلى أهلها والحقوق إلى أصحابها كما قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلَّلْه منها، فإنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه"، فالظلم عنوان الإفلاس الإيماني والروحاني، فلا سعادة لظالم حتى وإن كان ضاحكا، ولا فرحة لمعتدي حتى ولو سمعت قهقته جدران جيرانه، أما السعيد حقيقة والذكي الحصيف مَن يحافظ على رصيد حسناته، فلا يؤذي الناس ولو بكلمة، ولا يجرحهم ولو بنظرة، وإن بدرت منه هفوة فيبادر بالاعتذار ويُسارع بطلب العفو والمغفرة ممن ظلمهم قبل فوات الأوان، والعضِّ على الأنامل والشِّفاه.
كما سارع رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو يسوي صفوفَ أصحابِه يومَ بدرٍ وفي يدِه عود يعدِّلُ به القومَ، فمرَّ بسوادِ بنِ غَزيَّةَ وهو خارج عن الصفِّ، فطعن في بطنِه بالعود، وقال: استوِ يا سوادُ، فقال يا رسولَ اللهِ، أوجَعْتَني وقد بعثك اللهُ بالحقِّ والعدلِ، فالقصاص، قال: فكشف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن بطنِه، وقال: استقِدْ(اقتص مني)، فاعتنقَه سواد فقبَّل بطنَه، فقال: ما حملكَ على هذا يا سوادُ، قال: يا رسولَ اللهِ، حضَر ما ترى، فأردتُ أن يكون آخرُ العهدِ بك أن يمَسَّ جلدي جلدَك، فدعا له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بخيرٍ".