رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الشيخ أبو بكر الجندي يكتب: الإسراء والمعراج (2)

بعد أن أتَى النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس، وصلى فيه ركعتين تحية المسجد، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جاءه جبريل عليه السلام بإنائين: إناء فيه خمر، وإناء فيه لبن، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم إناء اللبن، فقال جبريل: "الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر ‌لغوت ‌أمتك"، فالخمر أم الخبائث ومفتاح كل شر، أما اللبن فهو إشارة إلى الصرط المستقيم والدين القويم الذي قال فيه ربنا: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ}[الروم: 30]، ودين الفطرة هو دِين الله السهل اليسير الذي يناسب الفطرة والقلب والروح والعقل في كل زمان ومكان، فلو عرفه الناس حقيقة لسارعوا إلى الإيمان به والعمل بأحكامه السهلة وأخلاقه الراقية، ومثل هذا كمثل رجلٍ يشتري ثوباً، فوجد المقاس المناسب واللون المناسب والسعر المناسب فسرعان ما يقتنيه لنفسه، وكذلك دين الفطرة، ودين الأميين ودين الناس العوام البسيطة الذين يسهل عليهم فهم هذا الدين واستيعابه والعمل به.
أما عن ردود الأفعال تجاه رحلة الإسراء فقد لخصها القرآن الكريم في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ}[الإسراء: 60]، والرؤيا هنا هي ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج من العجائب والآيات، فصدقها المؤمنون وكذبها المشركون وفتن بها بعض المسلمين، فارتدوا عن الإسلام.
قال ابن عباس وعائشة: لما كانت ليلة أسري به صلى الله عليه وسلم فأصبح بمكة وقد ضاق صدره، وعرف أن الناس مكذبونه، فقعد معتزلا حزينا، فمر به أبو ‌جهل فجلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا، قال: نعم، فأظهر أبو ‌جهل أنه يصدقه؛ مخافة أن يجحد الحديث، قال: أتحدث قومك بما حدثتني؟ قال: نعم، فنادى أبو ‌جهل في الناس، فاجتمعوا لهما، فقال أبو جهل: حدث قومك ما حدثتني قال: نعم إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم قال: فالناس ما بين مصفقٍ، وواضع يده على رأسه متعجبا، وارتد ناس عن الإسلام، وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال: يزعم صاحبك أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال: أوقد قال ذلك؟ قال: نعم، فقال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في يأتيه صباح مساء؛ فلذلك سمي أبو بكر الصديق.
وسألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم بيت المقدس للتثبت من كلامه، وهم يعلمون أن محمدا ما زاره قط قبل ذلك فقال: " لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحِجر، فجلا الله لي بيت المقدس، ‌فطفقت ‌أخبرهم ‌عن ‌آياته ‌وأنا ‌أنظر ‌إليه"، وهذا التكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم يؤيد أن الإسراء والمعراج كان حقيقة بروحه الطاهرة وجسده الشريف، ولو كان بالروح فقط أو مناما ما كذبه أحد من الناس، كما أنَّ القرآن صرَّح به قوله تعالى: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} والعبد لا يطلق إلَّا على الروح والجسد، وذهب عدد قليل من الصحابة والتابعين كعائشة ومعاوية والحسن إلى أنه قد كان بالروح فقط.