رئيس مجلس الإدارة
شريف عبد الغني
رئيس التحرير
ناصر أبو طاحون
رئيس التحرير التنفيذى
محمد عز
  1. الرئيسية
  2. وجهات نظر

الدكتور إبراهيم حلمي عمارة يكتب: المكفوفون في معرض القاهرة للكتاب.. حضور بلا قراءة

في يناير من كل عام، ومع الاحتفاء بموسم الكتاب في أكبر وأوسع معارضه بالقاهرة، يقف الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية وأقرانهم في موقع المتفرج؛ ذلك المتفرج الذي لا يجد ما يتناسب مع إعاقته ليقرؤه، إلا من بعض العناوين القليلة المتاحة بطريقة برايل أو المسجلة صوتيًا على أقراص مدمجة أو ما شابهها. وفي نهاية المطاف، لا يستطيع الشخص ذو الإعاقة البصرية أن يجد نفسه جزءًا من هذا المولد الثقافي الكبير الذي تنظمه مصر سنويًا. فلا تنوع حقيقي في الكتب، ولا وفرة في العناوين، مقارنة بما هو متاح للأشخاص المبصرين الذين يمكنهم الاختيار من بين مئات وآلاف الكتب، والأهم من ذلك، أن يضعوا الكتاب بين أيديهم، يشمون رائحته، ويسمعون صوت تقليب صفحاته؛ لا أن يُختزل كل ذلك في قرص مدمج يضم عددًا محدودًا من الكتب الفكرية أو الثقافية.
يفتح هذا الواقع الباب أمام تساؤل جوهري حول الجهود التي تبذلها مصر في مجال إنتاج الكتب والأوعية الثقافية بالأساليب المناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وغيرهم ممن يواجهون صعوبات في قراءة المطبوعات. فمنذ عقود، انصب دور الدولة المصرية أساسًا على توفير الكتاب المدرسي للطلاب ذوي الإعاقة البصرية بطريقة برايل، بما يخدم المراحل التعليمية المختلفة. غير أن هذا الدور لم يمتد ليشمل المرحلة الجامعية بشكل موازٍ ومتكافئ مع أقرانهم المبصرين. فكان الطالب الجامعي ذو الإعاقة البصرية مُجبرًا على إنتاج مادته العلمية بنفسه، إما بكتابتها يدويًا بطريقة برايل، أو بالاستعانة بأحد أقاربه لتسجيل المحتوى صوتيًا.
في السنوات الأخيرة، أُتيح للطالب ذو الإعاقة البصرية أن يطبع بعض المقررات الجامعية بطريقة برايل، وذلك من خلال الحصول على النسخة الإلكترونية من الأستاذ الجامعي وتحويلها عبر مراكز رعاية ذوي الإعاقة، التي أصبحت متوافرة في جميع الجامعات المصرية ومزودة بتقنيات حديثة وأجهزة طباعة متطورة. غير أن العقبة الكبرى لا تزال قائمة، إذ لا تسمح بعض إدارات الكليات أو أعضاء هيئة التدريس بالطباعة إلا بعد مفاوضات مطوّلة؛ يقبل فيها البعض ويرفض آخرون. وللأسف، لم تقم الوزارة بدور فاعل في إلزام الأساتذة بإتاحة النسخ الإلكترونية للمراكز المختصة، بحجة الخوف من تسرب المحتوى إلى بقية الطلاب، ومن ثم عدم شراء الكتاب الجامعي من الأستاذ.
أما على صعيد الكتب الثقافية العامة، فلا يتوافر منها سوى عدد محدود للغاية في مكتبة أو اثنتين من المكتبات الحكومية، بنسبة لا تكاد تتجاوز 1% من حجم ما هو متاح للمبصرين. وقد اضطلعت مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية تاريخيًا بدور مهم في طباعة بعض الكتب الثقافية بطريقة برايل. وكان «قصر النور» بالقاهرة نموذجًا بارزًا، حيث تولى نشر عدد من الكتب وتوزيعها مجانًا أو بأسعار رمزية. إلا أن هذا النشاط كان يعتمد في الأساس على تمويل أجنبي غير مستقر؛ فكان يتوقف أو يتراجع مع توقف التمويل. كما ساهم النموذج غير الاحترافي للإنتاج والتوزيع — القائم على الإعفاء المجاني أو البيع بأسعار لا تغطي تكلفة الإنتاج — في انحسار هذا الدور. ونتيجة لذلك، ومع قلة العناوين المتاحة وتراجع المؤسسات، فقد كثير من ذوي الإعاقة البصرية حماستهم للقراءة، لا لافتقادهم حب الثقافة، بل لغياب ما يمكن قراءته.
وما يزيد من الشعور بالأسى أن الحكومة المصرية تُفوّت على هذه الفئة فرصة ذهبية للاطلاع على كتب ومراجع متنوعة في شتى المجالات، دون أن تتحمل جنيهًا واحدًا. فلا يزال من غير المفهوم سبب عدم تصديق مصر على «اتفاقية مراكش» التي وُقعت عام 2016، وتهدف إلى زيادة إتاحة الكتب المطبوعة بطريقة برايل وغيرها من الصيغ الملائمة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية. فبموجب هذه الاتفاقية، يحق للقراء في مصر الوصول إلى الكتب المتاحة بتلك الصيغ واستيرادها من أي دولة مصادِقة على الاتفاقية، دون الحاجة إلى إعادة إنتاجها محليًا. وبذلك يصبح العالم مكتبة عابرة للحدود؛ يقرأ القارئ المصري رواية أمريكية، ويطالع القارئ المغربي كتابًا مصريًا. وربما تُبادر مصر لاحقًا بالمشاركة في إنتاج بعض العناوين المحلية بطريقة برايل لتبادلها مع الدول الأخرى، دون أن يكون ذلك التزامًا مفروضًا عليها.
إن عدم المصادقة على اتفاقية مراكش يعكس حالة من غياب الوعي بالإجراءات الكفيلة بتحسين حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، وربما يرجع ذلك إلى صناعة سياسات لا يُستشار فيها أصحاب الشأن، أو إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة لما يمكن إنجازه محليًا ودوليًا، والاكتفاء بإجراءات شكلية أو تسكينية تُظهر تعاطفًا لا يترجم إلى سياسات فاعلة.
وإذا استمر هذا الإهمال، ستظل أعينهم تبكي حزنًا لأنهم لا يجدون ما يقرؤون.
إبراهيم حلمي عمارة
أستاذ مساعد الصحافة
قسم الإعلام، كلية الآداب، جامعة طنطا