الحيوانات والطيور مصدر من مصادر الطاقة البدنية فمنها ما يؤكل لحمه ومنها ما يشرب لبنه أو عسله، ومنها ما يلبس من صوفه ووبره وحريره وجلده، ومنها ما يتطيب بمسكه وعطره، ومنها المعين على الحرث والزرع، ومنها الحارس على البيوت والحقول والمواشي، ومنها ما يُستشفَى ويُتدَاوى بها، ومنها الحامل للإنسان ومتاعه (وأنا أكتب هذه الكلمات أسمع صياح الديك في الصباح الباكر)، فمنه من يوقظ النائم، ومنها ما يصطاد بها، ومنها ما يكون سبباً في الغنى والثراء، وفي هذا التسخير الرباني يقول الله تعالى: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ}[الزخرف: 12 - 13]، وقال تعلى أيضاً: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}[النحل: 14].
وهي أيضاً مصدر من مصادر الفرح والسرور بالنظر والتأمل في روعة ألوانها الخلابة وأصوات بعضها العذبة الجذابة، حتى أن النفس لتهيم طربا بطيور وأسماك الزينة، كما قال القرآن عن الخيل والأنعام: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}[النحل: 6].
وهي كذلك مصدر من مصادر الطاقة الروحية والإيمانية، من خلال الإحسان إليها وإكرامها، فينال الإنسان بذلك الأجر العظيم من خلال إطعامها وسقيها وعلاجها والإحسان إليها، قال صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث ، ويأكل الثرى من العطش، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثمثم سقاه، فشكر الله له، فغفر له" قال الصحابة: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: "في كل كبد رطبة أجر".
كما أن الحيوانات والطيور مصدر من مصادر العلم والمعرفة، فتعلم الإنسان من الغراب الدفن، وتعلم من الطيور صنع الطائرات والصواريخ، وتعم من الأسماك السباحة والغوص، وتعلم من الخفاش صنع الرادارات وأجهزة التتبع، وتعلم من الحرباية التستر والتخفي، وتعلم منها فنون القتال والدفاع عن النفس، واليوم توصلت الاكتشافات لصنع ملابس شتوية ضد المطر لاتبتل بالماء أبداًواكتشفوا هذا من مادة في جلد بعض الزواحف البرمائية التي لاتبتل بالماء مهما ظلت فيه.
ـ وأخيراً التعلم من الحيوانات والطيور الأخلاق والشيم الحميدة تعلم من النملة الصبر والجلد وعدم اليأس، وتعلم من النحلة النشاط والحيوية ودوام العطاء، وتعلم من الخيل والكلاب الوفاء والتفاني في حب صاحبه، وتعلم منها الأخذ بالأسباب وحسن التوكل على الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم توكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصا، وتروح بطانا".
ولهذا لا تعجب من ذكر كثير من الحيوانات (الخيل، البغال، الحمير، الهدهد، الغراب، الجراد، الثعبان...) في القرآن الكريم تعظيماً لها وإشادة بمنافعها لنحافظ عليها ونتعلم منها وننتفع بها، بل أكثر من ذلك سُميت بعض السور القرآنية بأسماء بعضها(البقرة، الأنعام، النمل، النحل، الفيل)، حتى نحمد الله تعالى على فضله وتسخيره وعطائه وحسن تدبيره، {وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}[الزخرف: 13 - 14].