ناقشت الجلسة العلمية الثانية للمنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف، اليوم الثلاثاء، قضايا العلاقة بين العقل والنقل، وضبط الخلاف المذهبي، وبيان إمكانات المنهج الأشعري في معالجة الإشكالات العقدية والفكرية المعاصرة، وذلك ضمن فعاليات المنتدى المنعقد تحت عنوان: «الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية». وأدار الجلسة كلٌّ من فضيلة أ.د. نظير عياد، مفتي الجمهورية، وفضيلة أ.د. سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، وشارك فيها عدد من العلماء والباحثين المتخصصين في العقيدة والفكر الإسلامي.
وفي كلمته خلال الجلسة، أكد فضيلة أ.د. نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن الإمام أبا الحسن الأشعري انطلق في تأسيس مذهبه الكلامي من منهج متكامل قام على التزاوج المنضبط بين العقل والنقل، وهو الأساس الذي تشكّلت عليه قواعد المدرسة الأشعرية. وأوضح أن هذا المنهج تميز بالأمانة العلمية في نقل أقوال المخالفين نقلًا دقيقًا صحيحًا، وبالموضوعية في الحكم عليها، وهي قيمة منهجية افتقدتها كثير من المدارس الفكرية إما بسبب الخلل في النقل، أو الميل إلى الهوى في التقييم. وبيّن أن المنهج الأشعري قام كذلك على التفريق الدقيق بين مسائل الأصول ومسائل الفروع، بما يعكس رؤية علمية ناضجة تجمع بين الروح الدينية، والوعي الفكري، والقراءة الرشيدة للواقع، والتعامل مع القضايا الحياتية وفق ضوابط علمية لا نزاعات نفسية أو مذهبية.
ومن جانبه، أكد فضيلة أ.د. سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، أن ما يُثار أحيانًا عن وجود تعارض بين العقل والنقل إنما هو تعارض موهوم، إذا كان العقل عقلًا صحيحًا سليمًا معافى من آفات الغفلة والتقصير. وأوضح أن العقل الصحيح لا يمكن أن يتعارض مع النقل الصحيح بحال، وأن ما يبدو من تعارض إنما ينشأ عن خلل في مسار التفكير العقلي أو قصور في الفهم. وبيّن أن صحة النقل أمرٌ مقطوع به؛ فالقرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة النبوية الصحيحة ثابتة ثبوتًا يقينيًا، ومن ثم فإن موطن الإشكال يكون في العقل حين يداخله الوهم أو الخطأ، مؤكدًا أن المنهج الأشعري قدّم معالجة علمية دقيقة لهذه الإشكالية، وأعاد ضبط العلاقة بين العقل والنقل على أساس متين.
وفي السياق العلمي ذاته، تناول فضيلة أ.د. محمد عبد الدايم الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، في بحثه المعنون: «الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية»، المنهج الأشعري في تقرير العقائد وحكاية مقالات الفرق ونقدها. وأوضح أن الإمام الأشعري، على تعدد مؤلفاته، التزم بمنهج واحد قوامه النصح، والدعوة إلى الاجتماع، والإنصاف في عرض أقوال المخالفين. وبيّن أن كتابي «اللمع» و«مقالات الإسلاميين» يكشفان أمانته في العرض، وتنبيهه على مواضع الاتفاق بين فرق الإسلام، مع الاكتفاء بنقد الأقوال دون التعرض لأصحابها، مؤكدًا أن هذا المنهج يقدم أدوات فاعلة لمعالجة قضايا العصر، وفي مقدمتها التطرف الفكري والخطر الإلحادي، من خلال الاعتماد على القطعيات، وتغليب منطق الجمع ولمّ الشمل، وتجديد أدوات العرض.
وقدّمت الأستاذة الدكتورة نهلة الصعيدي، مستشار شيخ الأزهر الشريف، بحثها المعنون: «العقل والنقل في مشروع الإمام الأشعري وأثره في ضبط الخلاف المذهبي»، حيث تناولت القيمة العلمية لمشروع الإمام الأشعري في إعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل، وضبط مسارات النظر العقدي، وترسيخ ميزان وسط يجمع بين احترام دلالات النصوص وإعمال النظر الصحيح في فهمها. وأوضحت أن المشروع الأشعري أسهم في تحرير مواضع الاتفاق والخلاف، والتمييز بين القطعي والظني، وبين الأصول التي لا تتعدد والفروع التي تتسع فيها طرائق التعبير، مؤكدة أن كثيرًا من صور الخصومة المذهبية نشأت عن سوء فهم أو نقل مبتور أو إسقاط اصطلاحات عصر على عصر آخر، وأن الحاجة اليوم باتت ماسّة إلى استئناف هذا المنهج لضبط الخلاف علميًا وأخلاقيًا، ومنع تحوله إلى افتراق داخل الأمة.
وفي مداخلة علمية مقارنة، قدّم عبد اللطيف ألّوقولوف، رئيس قسم بمركز الإمام الماتريدي الدولي للبحوث العلمية، بحثه بعنوان: «التكامل المنهجي بين الإمامين الأشعري والماتريدي في الرد على التيارات المعاصرة»، موضحًا أن المدرستين تمثلان معًا جوهر الوسطية السنية التي تجمع بين محكمات النقل وصريح العقل. وبيّن أن الخلافات بين الأشاعرة والماتريدية هي خلافات تنوّع لا تضاد، وأن التكامل بين المنهجين يشكّل حصنًا منيعًا في مواجهة التطرف الظاهري والتيارات الإلحادية، ويُسهم في حفظ وحدة الأمة وسلامة معتقدها.
وفي هذا الإطار، تناول الأستاذ الدكتور محمد يسري جعفر، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالقاهرة – جامعة الأزهر، في بحثه: «خطاب العالمية في الفكر الأشعري: قراءة تحليلية في أصوله ومناهجه وإمكاناته المعاصرة»، كيف أسهم المذهب الأشعري في تحقيق استقرار العقل وهدوء النفس، وإزالة مظاهر التعارض التي كانت سببًا رئيسًا في الفتن المذهبية وما ترتب عليها من تنازع وتكفير ودماء. وأوضح أن الإمام الأشعري مرّ بتجربة منهجية تأملية عميقة، استخدم فيها الشك المنهجي والمقارنة والموازنة، حتى استقر على مذهب أهل السنة والجماعة، فاستقام البناء العقدي على قاعدتي الجمع بين العقل والنقل، ليصبح هذا المنهج خطابًا موجَّهًا إلى أمة الدعوة وأمة الإجابة، فكرًا عالميًا بمنطلقاته، إسلاميًا بأصوله، إنسانيًا بمقاصده. وأكد أن عالمية الإسلام لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالمضامين الراسخة والمنهجيات المتوازنة.
كما ناقش الأستاذ الدكتور محمد عبد الحليم، أستاذ الفكر الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة حمد بن خليفة، بحثه المعنون: «الإباضية ناظرًا ومنظورًا إليها في مصنفات أبي الحسن الأشعري»، حيث استعرض منهج الإمام الأشعري في عرض مقالات الإباضية في كتاب «مقالات الإسلاميين»، مبرزًا دقته في النقل، وإنصافه في العرض، وتحريه للأمانة العلمية، مع مقارنة ذلك بما ورد في المصادر الإباضية الأولى، مؤكدًا أن منهجه يعكس وعيًا مبكرًا بأخلاقيات الخلاف، وحرصًا على تحرير المقالات دون تشويه أو تحميل.
واختُتمت الجلسة ببحث الأستاذ الدكتور محمد أبو الحسين، أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة شيتاغونغ – بنجلادش، بعنوان: «المنهج النقدي للإمام أبي الحسن الأشعري في تحليله لعقائد الزيدية: دراسة في قضيتي الإيمان والإمامة»، حيث تناول منهج الإمام الأشعري في الجمع بين النقل والعقل والإنصاف في نقده لعقائد الزيدية، مع بيان حدود الاختلاف المشروع، وإبراز قدرته على توظيف البرهان العقلي والدليل النقلي في تفكيك الإشكالات العقدية، مؤكدًا أن هذا المنهج يمثل نموذجًا عمليًا لتعزيز الحوار العقدي المعاصر، وتقليل الاحتقان المذهبي، والحفاظ على وحدة الأمة.