قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضل هذه الليلة: "إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن".
فقد منح الله تعالى عباده منحة عظيمة في هذه الليلة وهي منحة المغفرة، هذه المنحة التي قال عنها مؤمن آل يس، وهو ينادي على قومه، ويقول: {يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}[يس: 26، 27]، فالكريم على الله والمستريح حقا من غفر له ربه.
وفي ليلة الغفران يغفر الله تعالى لجميع خلقه إلا المشرك بالله، والمشاحن الظالم الذي ملأ قلبه وقلب من ظلمه بالشحناء والبغضاء؛ لأن هذه الليلة هي ليلة المراجعة النهائية للعلاقات الاجتماعية قبل رمضان وما أصابها من تصدع أو فتور؛ لدخول الشهر الكريم بقلب سليم.
وأفضل الأعمال وأحبها إلى الله في هذه الليلة هي تصفية القلب وتنقيته من كل بغضاء أو شحناء بالعفو والصفح عن الناس.
والله تعالى هو العفو الغفور الذي يحب العفو والصفح والمغفرة، ويحب الوسطاء المصلحين الذين يتوسطون بين المتخاصمين ، حتى أصلح الله تعالى بنفسه بين أبي بكر الصديق ومِسطح بن أثاثة، وسجل هذا الصلح في كتابه، حيث خاض مِسطح مع المنافقين في عِرض عائشة بنت الصديق ـ رضي الله عنها ـ ولم يحفظ مِسطح الجميل ولا القرابة، فكان أبو بكر ينفق عليه لقرابته، فأنزل الله براءة أم المؤمنين مما رماها به المنافقون، وفي نهاية البراءة عتاب لطيف لأبي بكر الصديق وحَثٌ له على العفو والصفح عن مِسطح وإرجاع النفقة له، فقال الله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]، فقال أبو بكر: "والله إني لأحب أن يغفر الله لي"، فعفا عنه وغفر له وأرجع إليه النفقة؛ طمعاً في عفو الله ومغفرته، فمن أراد العفو والمغفرة في هذه الليلة فعليه بالعفو عن الناس والمغفرة لهم.
والمحروم من غفران هذه اللية هو المشاحن فاعل الشحناء والظلم وليس المظلوم الذي تجرع مرارة الظلم، ويؤكد هذا قوله تعالى:{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[الشورى: 41 - 43]، ورفقا بنفسية المظلوم جعل القرآن الكريم العفو والصفح عمن ظلمه وأساء إليه في درجة الاستحباب لا الوجوب الذي لا يقوى عليه كل مظلوم خاصة إذا كان الظلم في الدماء والأعراض، فلا يقوى على العفو حينئذٍ إلا أهل العزائم المرابطون على درجة الملائكية وصفاء النفس ونقاء الروح، وجعل الله تعالى لهم في عفوهم الأجر العظيم، فقال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40]، فلا تظلم نفسك أيها الإنسان بتفويت الفرصة وتضييع الأجر والغفران في ليلة النصف من شعبان، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من ضيع فرصةً للمغفرة فقال فيمن ضيع رمضان:::: رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له".