يصف المجربون روح المحبة ويشرح المحبون نسيم الأخوة، فيقول أحدهم: "إني لأمشي مع أخي يدي في يده أجد بردها وحلاوتها في قلبي"؛ لأن الأنس بالصاحب والصديق متعة وحلاوة وجنة في الدنيا قبل جنة الآخرة، وفي مذاق هذا الإحساس يقول الشاعر:
ما ذاقت النفس على شهوةٍ … ألذّ من ودّ صديق أمين
من فاته ودّ أخٍ صالح … فذلك المغبون حقّ اليقين
فأشيعوا الحب بين أولادكم وأزواجكم وأرحامكم وزملائكم وجيرانكم وبين الناس جميعًا ولا تكتموه، زيدوه ولا تنقصوه، فصلوه ولا تجملوه، أحيوه ولا تميتوه، جددوه ولا تهملوه، كما قال الرجل يا رسول الله، إني أحب فلانا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أعلمه أنك تحبه"، فعدوى الحب تنتقل بالحب، ومن أحببته أحبك.
والله تعالى شريك الحبيبين، حيث يظلل المحبين بمحبته ويمنحهم من فضله ونعمته، فيقول الله تعالى في الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتباذلين في، والمتزاورين في"، ويناديهم رب العزة تبارك وتعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" ، ويأذن الله تعالى يومئذٍ لشفاعة الأصحاب لأصحابهم؛ لرفع درجاتهم؛ ليأنسوا ببعضهم، وهنالك يتحسر أهل النار على فقدان الصديق والرفيق، ويقولون: {فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم}[الشعراء: 100، 101] ، فخير المحبة تعددت منافعها في الدنيا للآخرة.
وعلاقة المحبة بالإيمان علاقة وطيدة كما قال صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبرز مزايا المحبة ببراعة، مع حرص شديد على إرساء قواعد الحب في قلوب الناس، فيقول عن المخلصين في حبهم: "ما تحاب رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبا لصاحبه".
حتى ترجم الصحابة هذه المعاني إلى جو إيماني وواقع روحاني قال ابن عمر: "لقد أتى علينا زمان وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم"، ولما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبكاه المسلمون وتألموا لفراقه، حتى قالوا: "والله لوددنا أن الله قد زاد في عمره من عمرنا".
وعكس المحبة البغضاء التي تقبض القلب وينكمش بسببها الصدر وهي الحالقة التي تحلق الإيمان والدين وتزهق الروح قال -صلى الله عليه وسلم- والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين.
فبالحب الصعب سهل، والقليل كثير، والضيق سعة، والضعف قوة، والقبيح جميل، والبعيد قريب، والميت حي، وبالكره السهل صعب، والكثير قليل، والسعة ضيق، والقوة ضعف، والجميل قبيح، والقريب بعيد، والحي ميت.