لخص المثل الشعبي المصري الشهير «هوش بعصا العز وما تضربش» فلسفة الردع الهادئ والغموض الاستراتيجي في أعراف القوة الدولية.. فالعصا التي تلوح بها تُبقي الخصم في حالة رعب وتوجس من مجهول قدراتها، أما إن حركتها لتضرب بها، فإنك تمنح الخصم فرصة اختبار صلابتها، واكتشافدا مداها، وتفكيك الشفرة التي كانت تمنحها تلك الهيبة.
وعبر عقودٌ طويلة ممتدة من عهد جيمي كارتر وحتى ولاية دونالد ترامب، حافَظ فيها الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون على حذر شديد تجنبوا خلاله الانزلاق إلى حرب مباشرة مع إيران.. إدراكاً منهم لأن القوة الأمريكية تبدو في أبهى صورها عندما تُستخدم أداةً للضغط والترهيب، لا عندما تدخل في حرب استنزاف مفتوحة في جوار معقد جيوسياسياً.
تغير هذا المسار عندما اندفعت إدارة ترامب نحو مواجهة مباشرة مع طهران.. بدفع وضغط إسرائيليين مكثفين بضرورة القضاء النهائي على البرنامج النووي الإيراني وتدمير قدراته.
لكن ما جرى ميدانياً أثبت صعوبة تحقيق هذا الهدف القائم على إسقاط المشروع النووي بالقوة
إذ وجد البيت الأبيض نفسه يبحث عن صيغة تفاوضية تعيد تقييد البرنامج ببنود مشابهة لـ «اتفاق أوباما» الذي لطالما انتقده ترامب ورأى فيه ضعفاً، ليقف أمام خيارين أحلاهما مر
إما الفشل في تدمير البرنامج، أو العودة لاتفاق مشروط لم ينجح في انتزاعه حتى الآن.
امتد أثر هذا الصراع إلى مضيق هرمز ذلك الشريان الذي كان طوال عقود ممرًا دولياً مجانياً وحراً للملاحة الدولية. تحول المضيق إلى الساحة الرئيسية لمعركة الإرادات
حيث جرت محاولات أمريكية مكثفة للضغط والتهديد بغية فتح المضيق وإعادته إلى وضعيته السابقة قبل الاشتعال العسكري.
في المقابل، استغلت إيران النزاع لفرض سيطرة أمر واقع على حركة الملاحة، متطلعة للتحكم في هذا الممر الاستراتيجي وتحصيل عوائد ومكاسب تضمن لها اليد العليا في هذا المعبر الحيوي لتدفقات الطاقة العالمية.
لم تقف الخسارة عند حدود الجغرافيا السياسية، بل امتدت لتكشف حدود القدرة العسكرية
إذ كشفت تقارير إعلامية وعسكرية متتالية عن تخبط أمريكي في تأمين الإمدادات الميدانية المتواصلة من الذخائر والمخزونات الاستراتيجية.. لا سيما الصواريخ الدقيقة وأنظمة الاعتراض. أحدث هذا التراجع حالة من الانكشاف الاستراتيجي غير المسبوق لواشنطن أمام حلفائها وغرمائها على حد سواء.
تعتمد الاستراتيجية العسكرية الأمريكية تاريخياً على حسم المعارك سريعاً عبر مبدأ «الصدمة والرعب» وإمطار الخصم بأقصى درجات القوة النارية لإجباره على الاستسلام الخاطف.
لكن هذه العقيدة انكسرت تماماً أمام سياسة «الصبر الاستراتيجي» والنفس الطويل والتكيف الميداني الذي أبدته إيران، لتستحيل الضربات الخاطفة إلى مواجهة بطيئة كشفت حدود العصا الأمريكية بعد أن استُخدمت بالفعل.
لقد أثبتت التطورات أن الضرب بالعصا لم ينقضِ بنصر خاطف، بل أزال غطاء الغموض عن الحدود الميدانية للقوة العظمى، لينطبق الواقع على المثل الشعبي: حين حُرّكت «عصا العز» للضرب، عرف الخصوم أولها من آخرها، وباتوا يتصرفون في ضوء هذا الانكشاف.