بحكم أنني من أبناء مركز طنطا ، فقد تربيت في المدرسة الأحمدية التي هي شبيهة المدرسة الأزهرية وكنا صغارا نعشق السيرة والمسيرة حتي أنعم الله علي وكنت من أبناء وتلاميذ المعهد الأحمدي العريق والمعهد الأحمدي والمسجد الأحمدي علاقتهما وطيدة وثيقة علاقة علمية دينية فقهية سنية محمدية وهذا ما اختصنا الله به صغارا
كنا نفرح بالمولد صغارا لكونه أجازه أسبوع بالتمام والكمال في المعهد الأحمدي ونحن تلاميذ الاحمدي من مرتدي الجلباب والعمامة وهذا شرف لو تعلمون عظيم
وفي عرف الجميع كان ينتهي المولد في الليلة الكبيرة التي صبيحتها يوم الجمعة وإذا اقبلت الجمعة على طنطا واستوى نهارها على جودي السكينة تنسلت الارواح من أجرامها وكأن المدينة بأسرها قد تحولت إلى موكب كبير
فإذا ما انقضت صلاة الجمعة وارتفعت أصوات الحق من المآذن كأنها نداءات علوية تسوق القلوب سوقا أقبلت الزفة في جلالها المهيب كأنها السيل الدافق من نور ونغم يتقدمها الخليفة وكأنما يحمل على كتفيه أثقال الولاية وأسرار الطريق تكلله هيبة العارفين وتحيط به هالة من الوقار يركب حصانه في هدي ورزانة والناس كأنما الأرواح من حوله أجنحة ترفرف تحمله فوق شراعات تتشح بالفرح العذري والخشوع الصوفي وتتدافع الحشود كتفا إلى كتف كأنها أمواج بحر لجي تتكسر على شواطئ القلوب المستكينة تتداخل دقات الطبول الحانية بنبضات الخافقين وتنساب ألحان المداحين رقيقة كالندى تحيي الموات في الضمائر وتغسل عن الأسارير أدران الأيام وغبار السنين
تتألق الرايات الخضراء والبيضاء كأنها ألوية النور ترفرف فوق معسكر العشاق ينظر الناظر فيرى البصر كليلا من جلال المشهد والقلب سليبا لا يملك من أمره شيئا أمام هذا الطوفان البشري الهادر في سكون الطمأنينة
ينتهي المولد إلا عند أبي فلأبي يوم خاص كان يطلق عليه الليلة اليتيمة وهي ليلة السبت ليلة بالنسبة لأبي هي النور والصفاء والسرور ليلة يحييها الشيخ ياسين التهامي
وكان لأبي عليه رحمات الله وتر حساس يرتج له الوجدان الصوفي وهي خلوته لا يحب الزحام ولا الحوارات الجانبية يختلي فيها مع نفسه والشيخ فحسب وكأن السماء ألقت عليه أردية من النور السماوي وشمسه خاصة به تطلع من روحه المحبة وتنغلق دائرته علي نفسه وكأن راحته النفسية قد استوت علي جودي وحدته الخاصة وزيارته الفردية
في ليلته اليتيمة ينخلع قلبه من الدنيا وينسل من عرضها وزخرفها كأنما ناداه منادي "حي على الشهود" فلبي النداء مطمئنا فلم يكن حبه للشيخ ياسين التهامي صوت العشق الإلهي ومترجم دواوين سلطان العاشقين مجرد طرب بأذنيه أو استمتاع بنغم بل كان استقراء لروحانية الوجد واشتياقا أبديا للذبذبات التي تعيد ترتيب النفوس
صحبته ذات مرة كان يحب صحبتي وكنت أرتاح في معيته وعنديته ودفاه كان يعرف مكانه بعيدا عن الزحام مفترشا الارض بائع الشاي يعرفه جيدا ما أن يصل حتي ينادي واحد شاي تقيل سكر مظبوط لشيخ العرب الحج أحمد ابو عز ابي أحمد عز لماذا يناديه بائع الشاي بالحاج أحمد أبو عز لا أدري ؟
كان لأبي طقوس خاصة مكتفيا من الدنيا بكوب الشاي الثقيل وسيجارته ثابت في جلسته لا يتمايل مع المتمايلين عيناه ترمضان في ملكوت السماء وكأنه يرى ما لا نرى ويسمع ما لا نسمع من نداءات العارفين
ما أن ينتهي الشيخ من مدحه إلا أن ينصرف الجميع متجهين إلي شوارع جانبية مثل دحديرة صبري وشارع الاتراك والبورصة القديمة وشارع الخان ودرب الإبشيهي ودرب السكاكين ودرب الأثر وسوق العتاسة وحلقة القطن متناثرين من كل حدب وصوب وكثير منهم في شارع السكة الجديدة متجهين إلي محطة القطار
إلا أبي وقليل منهم يتجه إلي الصف الأول في المسجد الأحمدي ليؤدي صلاة الفجر جماعة ثم ينصرف في هدوء سيرا علي الأقدام حتي قريتنا المجاورة لمدينة طنطا من علي الطريق الزراعي لا صاحب له إلا عصاته وعباءته السوداء وشاله الصوفي
وقفت الليلة الماضية في رحاب البدوي حيث الليلة اليتيمة تغمرني هيبة "اليتيمية" بدموعها وسكونها وضجيجها أنا اليتيم لا اللية وأنا أشعر بيمين أبي الحانية تطوق كتفي و روحه الطاهرة تحوم حولي أتذكر دفئ ابي وروح ابي وهدوء أبي ورجولة أبي وحنان ابي العامر الغامر
سلام عليك يا أبي في مقعد صدق عند مليك مقتدر وسلام على ليلة يتيمة أنارت في وجهي حينما تذكرتك سلام علي قنديلك المضيء في قلبي
سلام علي نفسك الكريمة يا أبي سلام علي نخوتك وأخلاقك العالية سلام علي عيونك الراضية سلام علي بصمات لك ناصعة أراها في كل درب اسير فيه تؤنس وحشة سفري سلام علي سريرتك التي كانت مرآة لصفاء نفسك حدائق من الألفة والوفاء
ولروحك يا صاحبي ألف ألف سلام